الحـمــاسـة
نشر ضمن خواطر ·كل شيء في هذه الحياة يتطلب منا الحماسة، وكل ما نرومه يجب أن نسعى إليه بجد وحرارة. بل إن السعي نفسه يحمل في طياته معنى الحماسة والجد. إنه في معناه المادي هو حث الخطى نحو الهدف، وفي معناه الروحي هو عقد العزم والنية، والمعنيان متلازمان إذ كل شيء نسعى إليه يسبق سعينا إليه عزم ونية.
وثمة من الناس من يريد الشيء ويطلبه لكن في توان، وإن سعى إليه سعى في خمول. فكيف ينال أمر بهذا الخمول وهذا التواني؟!
إن الحياة التي تدبّ في كل شيء من حولنا، والشمس التي تطلع في كل يوم ليبدد لنا نورها ظلمة الليل؛ كل ذلك يدعونا للعمل والسعي، كل إلى وجهته وكل نحو مرماه.
والنية التي تُطلب في كل شيء والتي تعتبر أساس أعمالنا كلها ما هي إلا تعبير عن هذا المعنى الأساس؛ وهو أن يكون في سعينا قوة وهمة وحماسة. وألا نقوم إلى الأشياء ونحن كسالى خاملين. فعقد النية على فعل شيء يملأ روحنا همة ونشاطا، وذاك هو السر في أن يسبق كل عمل منا عقد النية على فعله، وألا نسعى إليه دون ذلك، لأننا سنأتيه في خمول بلا ريب.
كثيرا ما نرى أناسا يشكون من الفشل الذي يلازمهم في كل شي، ومن سوء الحظ الذي يبدو أنه حليفهم! لكن عندما أنظر في همة هؤلاء أجدها ضعيفة، وأجد فيها رخاوة أعجب لها. وأتيقن أن سبب فشلهم ليس من “حظ مشؤوم” يطاردهم أو “قدر محتوم” يروم تعذيبهم كما يتصورون!
إنه لمن السفه أن يعتقد الإنسان أن الأمور تقبل عليه وتدبر من تلقاء نفسها ولا يد له فيها إذ لا يستطيع صد السيء منها والاقتراب بل تقريب حَسنها منه. وهو هكذا في شؤونه كلها بين بلادة وخمول؛ لا يأخذ من الحياة إلا ما يوضع في فمه أو يلقى في يده!
صحيح أن القدر يسوق إلينا أشياء ويضع في طريقنا أخرى، لكن لن نأخذ مما يسوقه إلينا إلا بقدر همتنا، ولن نرى ما يضعه في طريقنا إلا قدر ما يكون فينا من فطنة ونباهة.
أعتقد بيقين أن كل من نجحوا في هذه الحياة وحققوا آمالا عظاما وتركوا وراءهم آثارا، كانوا على قدر غير يسير من الهمة، وكانت قلوبهم ملأى بالحماسة والجد.
فلو يعلم الإنسان المتواني المتكاسل كم يفوته من فرص النجاح والكسب بسبب ضعف همته وجهله بسنن الحياة؛ هذه الحياة التي وهبت له، وهي تسري في جسده في نشاط لا يعوقه خموله ولا توانيه: دما يجري في العروق، وأنفاسا تتصاعد وتتنازل تشده إلى الحياة وهو متراخ متماوت!
عجبا لهذا الإنسان الذي لم يفقه سنة الحياة من حوله وهي أقرب إليه مما يحيط به: هي في نفسه التي بين جنبيه!
- 14.12.09
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي