المــــنّ والأذى
نشر ضمن مقالات ·عندما ترى شخصا يبني بيتا جميلا ثم يهدمه، ماذا عساك تقول عنه: أنه سفيه العقل، أنه مجنون ؟ هذا ما ستقوله بالتأكيد.
إن بناءً عندما نقيمه يتطلب منا جهدا قد نبلغ فيه حد الإعياء، فهل يعقل أن نأتي بعد ذلك لنهدمه بأيدينا ؟! كثير منا يفعل ذلك، عندما نعطي عطاء أو نسدي معروفا ثم نمنّ على ذلك الذي أعطيناه أو أسعفناه به.
يقول تعالى في محكم تنزيله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى [البقرة:264].
كيف يرضينا أن ندخل السرور على قلب شخص ونزرع فيه الود ثم نراه يتبدل بغضا ونفورا وقد أفسدنا أحساننا إليه بالتمنن عليه واستكثار ما فعلناه من أجله ؟!
إن اسمنا يكون في قائمة الناجحين، فكيف يرضينا أن يلغى ليحال إلى قائمة الراسبين؟! ذاك ما نفعله بأيدينا عندما نعقب الإحسان بالإساءة !
إن تذكيرك أخاك بالمعروف الذي أسديته إليه أو إحصاؤك لأفضالك عليه شيء قبيح. يقول جل وعلا: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة:263].
قيل إن ابن سيرين سمع رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت، فقال له: “اسكت، فلا خير في المعروف إذا أحصي”.
إن الإنسان عندما يعطي عطاء خالصا من قلبه، لا ينتظر أن يُشكر أو يُذكر إحسانه لأن ما يرجوه من الثواب يرجوه من الله، وقبل الثواب أن يكون عمله مرضيا؛ هذا الصنف الجميل من الناس هم الذين ذكرهم المولى عز وجل في كتابه العزيز: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان:8-9].
إن مما نبطل به أعمالنا أن نبذل الخير ونكثر في الرفد، ثم نلقي السمع لكلب من يذكرنا ويذكر فعلنا بالمدح والشكر والتنويه؛ ذلك ما حذرنا منه ربنا جل وعلا في قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ [البقرة:264].
هو ذاك الذي لم يعط إلا ليقال جوادا، ومثله لا يُقبل له عمل ولا يَثبت له أجر.
إن الله تعالى يقول لنا: (اتبع الحسنة السيئة تمحها)، ونحن نفعل نقيض ذلك عندما نفسد ما عملناه من خير بسوء النية وعدم الإخلاص، أو بالتمنّن وانتظار الشكر.
وأخطر من مجرد انتظار الشكر أن تنتظر المقابل وتقصد من عطائك نيل مثله، فإن لم تؤته تذمّرت فحبط عملك كله غذ لم تبتغ به وجه الله تعالى.
قال صلى الله عليه وسلم: “من أُعطي عطاء فليَجز به إن وجد وإن لم يجد فليُثن، فإن من أثنى فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره”.
فإنما الحق على من نال العطاء أن يشكر، ولكن لا يحق للمعطي أن يطالبه به، وقد قيل: “إ\ا اصطنعت المعروف فاستره وإذا صُـنع إليك فانشره”.
إن من كرم النفس وسماحة الخلق أن تستكثر عطاء غيرك وتستصغر عطاءك. وإنه لا يحق لأحد أن يمنّ على أحد. والله وحده يمنّ على عباده أن هداهم للإسلام.
فحقيق بنا أن ننشغل بنعم الله علينا وعطاءاته التي لا تعد ولا تحصى ونشكره عليها، باللسان ثم بالعمل بأن نجتهد في أوجه الخير ومواطن الإحسان، ونجعل نيتنا فيها خالصة لوجهه الكريم بحيث لا يشوبها رياء ولا يفسدها منّ.
إن الله تعالى غنيّ لا يزيد عملنا أو شكرنا في ملكه شيئا، ولكنه يريد منا الخير ويكره لنا الأذى والسوء، لأجل أن تحسن علاقاتنا بعضنا ببعض، لأن المنّ يفسد العلاقة بين الأخوين وبين الصديقين وبين الزوجين وبين الشريكين. ولأجل سعادتنا في الدنيا التي لا تتحقق إلا بإحسان بعضنا لبعض من دون منّ ولا أذى.
- 30.11.09
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي