﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:159].
فإنك إن بلغت مرحلة التوكل، فأنت قد بدأت السعي بعد عقد النية والعزم على فعل ما تريد فعله. وهذا مسار سليم في سبيل تحقيق ما تريد تحقيقه من عمل في حياتك أو مشروع، ثم لابد لك من الثبات وأنت تسير نحو هدفك الذي سطرته.

ومما يعين على ذلك، المداومة والصبر وتجميع القوى والفكر؛ فلا تترك أمرا يشتت فكرك أو يثبط من عزمك، ولابد من الجد والالتزام والصدق في الطلب.

فإذا أصابك الخور وأنت في منتصف الطريق، فاشكك في صدق نيتك ومرادك، لأنك لو صدقت ما كان ليصيبك عجز أو تردد أبدا مهما كابدت من الصعاب ومهما واجهك من العراقيل. فحتى إن أقعدتك قليلا فلكي تقوم بعدها أكثر قوة وعزما.

ولقد وصف القرآن الكريم أولئك الذين قعدوا عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهم بعد أن عاهدوه على الطاعة خالفوه في أمر الخروج للقتال وتخلّفوا عنه، فكان من غضب الله تعالى عليهم أن ثبّطهم حيث قال جل وعلا فيهم: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:46]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، إشارة إلى فساد إرادتهم وكذب عزمهم وولائهم!

إن الثبات دليل على الصدق ودليل علي القوة، كما يتضح من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو الذي لم يخن عهدا ولم ينكث ميثاقا ولم يتخلف عن واجب ولم يأل جهدا في سبيل أداء الرسالة السماوية التي حمّله الله إياها- وهو القائل لعمه ـ مع مطلع رسالته ـ وقد جاء يساومه وقريشا على ما جاء به من الحق: «ياعمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ـ حتى يظهره الله أو أهلك دونه ـ ما تركته».

ولا يزال كذلك يثبت ويعلّم أصحابه الثبات وينكر عليهم التردد وقلة الصبر طيلة مدة رسالته، كما حدث في غزوة أحد، حين أشار أصحابه برأي ثم أرادوا الرجوع عنه خشية أن يكونوا قد ألزموا نبيهم به، فأمرهم بإنفاذه حيث قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يرجع حتى يحكم الله بينه وبين عدوه».

ومن أعظم الأمثلة وأروعها في الثبات غزوة بدر الكبرى، حيث كان أكبر اختبار لثبات المسلمين وشجاعتهم وصدق عزيمتهم، في أكثر المواطن خطورة وأشدها على النفس، والله تعالى يقول فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:216].
والله تعالى يناديهم أن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:45-46].

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد كل مقومات الثبات وما من شأنه أن يضعف منه؛ فالتنازع فيه تشتتيت للقلوب وتفريق للصفوف فيكون نتيجة ذلك الفشل، لأن القوة في الوحدة كما جاء في الحديث: «يأكل الذئب من الغنم القاصية». أما النصر فيكون بالالتزام بالصبر والثبات وذكر الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله.

ولما كان الصحابة رضوان الله عليهم قد التزموا بذلك كله ثبّتهم الله من عنده بالملائكة وبأمور أخرى كثيرة من أخبار هذة الغزوة كما يرويها لنا القرآن الكريم حيث يقول جل وعلا: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام﴾ [الأنفال:11]. و﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:12].

فما أحرزه المؤمنون من نصر في هذه المعركة كان بسبب إيمانهم بالله ورسوله وامتثالهم لأوامره ودفاعهم الصادق عن الحق رغم قلة عددهم وعدّتهم. وفي هذا دروس وعبر؛ فإن لم يكن ثمة من جهاد اليوم بالسلاح فهو جهاد النفس الذي اعتبره رسول الله عليه الصلاة والسلام أكبر الجهاد. ذلك أن الثبات فيه، يكون على الحق والتزام الجادة والحرص على ما فيه النفع لنا في الدنيا وفي الآخرة، والتمسك بمنهج الله، يقول تعالى مادحًا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:170].

وعكسهم تماما الذين يصفهم تعالى بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [النساء:143]. فهم لم يثبتوا على أمر الدين ولا التزموا بالولاء للمسلمين حيث كانوا يظهرون الإيمان بين أظهر المؤمنين فإذا انقلبوا إلى المشركين قالوا: إنا معكم، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:14].

وقد سمى رسول الله عليه الصلاة والسلام من كان مثل هؤلاء بذي الوجهين وقال إن من صفاته أنه: « إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (صحيح البخاري).

إن من صفات المؤمن الاستقامة على ما هو عليه من الطاعة لله أولا، ثم على ما هو عليه من أعمال الخير وفيما اختار لنفسه منها.
فالنفاق هو نقيض الثبات الذي هو صفة من صفات الشخصية السوية المتزنة، وعكسها ما يطلق عليه في علم النفس بالشخصية الازدواجية، حيث يكون صاحبها منفصم الشخصية بحيث يتلون حسب المواقف والظروف والأشخاص.

إن الثبات لا يمتلكه إلا من كان كريم النفس، قوي الشخصية، حصيف العقل. وهو أساس أخلاق كثيرة؛ فالأمانة ثبات على حفظ ما اؤتمنا عليه، والوفاء بالعهد هو ثبات على العهد الذي قطعناه، ورعاية الود هو ثبات على الصلة التي أقمناها مع من نحب…

إن كل امرئ عاقل يحتاج إلى مجموعة من القيم الأخلاقية والمبادئ الروحية يثبت عليها وتجري عليها كافة أقواله وأفعاله. فإن لم يرسّخ في نفسه مثل هذه الثوابت فسوف يكون فريسة للأهواء: أهواء نفسه وأهواء الزمن الذي يعيش فيه. ولن يسلم حينئذ من الوقوع في الزلل. يقول جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل:94]. إنه تحذير من عدم الوفاء بالعهد ونقض الأيمان بعد توكيدها كمن تنقض غزلها من بعد إحكام، بمقتضى ما تحمله الفرص من المصلحة، واستجابة لهوى النفس.

وأما ما يعين المؤمن على الثبات على الخلق الكريم والسيرة الحسنة، الالتزام بالطاعات والعبادات والصبر عليها، والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:45]. فالصلاة فيها تدريب للنفس على الصبر حين نلتزم بأوقاتها ونداوم على أدائها.
وكذلك سائر الطاعات وإن قلّت، قال صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أن خير العمل إلى الله أدومه وإن قلّ» (رواه البخاري ومسلم).

إن الذي يحمل بين جنبيه نفسا تواقة لابد أن يكون مالكا لمثل هذه الصفات حتى تتحقق له الآمال وينال المبتغى. فالهدف من أجلتحقيقه لابد “أن تبقيه قويّا في نفسك، ماثلا بين عينيك لأطول وقت ممكن”. فلا تغفل عنه ولا تتوانى عن طلبه بما قد يقعدك عنه أوما يكون فيه تشتيت لفكرك وتبدبد لطاقاتك، إلى أن يتسنى لك الظفر به. يقول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز».

إن التقدم والازدهار الذي وصلت إليه حضارتنا الإسلامية فيما مضى في شتى مجالات الحياة، والصرح الحضاري الشامخ الذي أقامته كان سببه تمسكها بالهدف الذي أرست عليه قواعد البناء: هدف إعلاء كلمة الحق ونشر العدل في الناس وعمارة الأرض.

وإن البلدان المتقدمة التي تحتل اليوم مركز الصدارة في العالم سبب تقدمها حسن رصدها لأهدافها وسياساتها وحسن تدبيرها لمشاريعها واستراتيجياتها. وفي المقابل نرى بلداننا العربية الإسلامية ترزح تحت وطأة التخلف في كل ميادين الحياة؛ بسبب تردد سياساتها ما بين أصالة وعصرنة، وتعصب وتحلل، وتقليد وإبداع لا تدري إلام يستقر اتجاهها.

ونسمع من يقول تبريرا لتخلفنا أن سببه الاستعمار الذي سلّط علينا فثبّطنا وأقعدنا عن البناء والتقدم. لكن ماذا فعلنا بعدما تنحّى عنا وأمسينا أحرارا مستقلين في بلداننا ؟ ماذا شيّدنا وماذا رصدنا لأنفسنا من أهداف أساسية يقوم عليها مشروع البناء والنهوض بأمتنا ؟ وإن كنا قد فعلنا، فهل قدّرنا العوامل التي تجعلنا نثبت عليها؟

إن مظاهر اللاثبات ـ على مستوى الأفراد والجماعات ـ كتغيير السياسات وتغيير البرامج وتغيير المشاريع وتغيير الرجال؛ كل ذلك يؤثر سلبا على مشروع البناء والتقدم في المجتمع. وهذه إحدى عاهاتنا.

فعلى مستوى الأفراد نتحمس لأمر ثم نفتر عنه بعد حين، وننطلق في مشروع ثم نقف في الطريق. وإذا أقمنا صداقة فلا نثبت عليها طويلا، وإذا اتصلنا بشخص فلم يردّ لا نعاود الاتصال..! فالغالب علينا في مختلف مظاهر حياتنا الفتور وقلة العزم والتواني وسرعة نفاذ الصبر.

إنني أعجب لأولئك الرجال من أهل الغرب حينما أرى أحدهم يسهر على برنامج إذاعي أو تلفزيوني منذ عشرات السنين حتى ليلتصق إسمه باسمه ويكون نجاحه من نجاحه! وترى آخر يثبت على حرفة حياته كلها، يسخّر لها كل قواه العقلية والبدنية والنفسية؛ فيجعل منها هدف حياته: يطوّرها وينمّيها حتى يمسي متحنكا متضلّعا فيها عارفا بكل حيثياتها! ويعجبني الباحث فيهم، يختار لنفسه علما من العلوم يمكث فيه دهرا: بحثا وتنقيبا ودراسة حتى يبلغ فيه شأوا عظيما!

إن البلبلة التي نعيش فيها سببها عدم رصدنا لأهدافنا بقوة ووضوح وعدم تسطير الخطط لها بعقلانية، وإن سطرناها فلا نحسن تطبيقها. إن هدفنا الأسمى قد عرفناه منذ قرون خلت، أما الثبات عليه فذلك ما يلزمنا في الوقت الحاضر، لأننا قد عصفت بنا الأهواء منذ مدة مديدة ولا نزال مذبذبين ما لنا من قرار شعوبا وحكومات.

ومن المؤسف أن تكون أمتنا أمة القوة والشهادة والعمل بهذا القدر من التخلف ونحن أهل “القول الثابت” الذي يثبت به الله المؤمنين من عباده في الدنيا وفي الآخرة.

إن كلمة “لا إله إلا الله” هي شعار المؤمن ومبدؤه في الحياة حتى لا يزيغ عن الجادة. إنها الكلمة التي ضرب الله فيها مثلا: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [ابراهيم:24-25]. ومن تمسّك بها دخل في زمرة من قال فيهم المولى عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [ابراهيم:27].

والغرب وإن ثبت على مبدأ المادية والعلمانية وبنى مجده على أساسه فليس ثبوته على حق. والأولى بنا ونحن أمة الحق أن نثبت على ديننا ونبني لأمتنا ونحقق الخير كل الخير بكل مظاهره مادية ومعنوية؛ أسوتنا في ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي بنى البيت الحرام ورفع قواعده..

إن عمارة الأرض التي استؤمنا عليها لابد أن تكون على ضوء العبودية لله حتى تُحفظ أعمالنا من الزيغ وتُرسّخ قدمنا في الحق والعدل؛ فلا نحقق هدفا ولا ننجز عملا ولا نطوّر علما إلا كنا عادلين فيه. والمولى جل وعلا يحذرنا من العدول عن الحق ويحثنا على الثبوت عليه.

ولقد نرى اليوم بعض بوادر العودة إلى الحق عند افراد هذه الأمة المحمدية لاتي لن ينضب معين الخير والعطاء منها إلى يوم القيامة، مهما بدا عليها من سمات الخَوَر والاستسلام واليأس، ذلك من خلال دعوة الصادقين فيها إلى النهوض وتسطير الأهداف وتحديد الغايات وتحريك الهمم إلى الإنتاج والإبداع والعطاء مع الإيجابية والثبات في كل ميادين الحياة.

وإنه العقل ونير البصيرة الذي يجعل المرء ثابتا على أهدافه السامية في الحياة، وعكسه الهوى الذي يطيش بالأفكار والعزائم وتتبدد به الطاقات وتنفلت عقد العزم والصبر والمداومة.

“اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد”.
“اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك”.
“ربنا أفرغ علينا صبرا وثبّت أقدامنا”.