قل لي ما يبكيك...
نشر ضمن مقالات ·يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:43].
فهو خالق هاتين الخاصيتين في الإنسان، وقد خصه بهما فلا يستطيعهما غيره من المخلوقات، وقيل في الحيوانات يضحك القرد ويبكي الجمل.
وهو جل وعلا خالق الأسباب التي تدعو إلى الضحك أو إلى البكاء؛ فيجعل لنا من دواعي السرور والفرح ما يجعلنا نضحك، ومن دواعي الحزن والأسى ما يجعلنا نبكي.
هما آليتان نعبر بهما عن المشاعر وأحوال القلب. فنضحك لموقف فيه من الغرابة أو من العَجَب ما يثير الضحك، كما ضحك سيدنا سليمان عليه السلام تعجبا من قول النملة وفرحا لاعترافها بتقواه هو وجنوده: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:18- 19]!
ونضحك استبشارا لسماع خبر سار، كما استبشرت امرأة سيدنا إبراهيم عليه السلام لسماع خبر هلاك قوم لوط: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:71].
وأما صفة البكاء فوردت في القرآن الكريم بشأن سيدنا يعقوب عليه السلام الذي بكى لفراق إبنه يوسف عليه السلام، بعد أن غدر به إخوته. يقول تعالى واصفا حال الحزن التي ألمّت بالنبي يعقوب عليه السلام: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:84].
ويقابل هذا البكاء الصادق النابع من قلب أب محب شفيق على ولده بكاء كاذب من إخوة يوسف، بعد أن كادوا لأخيهم: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:16-17].
كذلك يذكر القرآن الكريم حال الذين لم يتيسر لهم الخروج للغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يملكون دابة تحملهم ولم يكن في وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفرها لهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:92].
وهنا أيضا وصف لحال الحزن والأسف الذي أصاب الصادقين من المسلمين الذين إنما تخلفوا عن القتال لعذر. أما الذين تخلفوا لعذر كاذب فأفرحهم عدم خروجهم والله يذم فعلهم ويشدد لهم في التقريع، إذ يقول: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:81- 82]!
ومن جهة أخرى، يذكر القرآن الكريم بكاء من نوع آخر، هو بكاء تأثر وخشوع عند سماع القرآن؛ والله تعالى يصف ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا . وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:107- 109].
كذلك يصف الله تعالى بكاء الأنبياء وذرياتهم عند سماعهم لآيات الرحمن: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:58].
ومن أهل الكتاب من النصارى، حيث يصف الله تعالى حالهم من الخشوع والإيمان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:83].
وهنا أيضا يذكر القرآن الكريم نقيض هؤلاء من المستهزئين المستهينين بآيات الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:47]. ويخاطبهم تعالى بقوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم:59-60]. فالله تعالى يذم هذه المفارقة العجيبة في موقفهم من القرآن الذي يضحكون لسماعه عوض أن يتأثروا به.
وكذلك هو موقف الكفار من المؤمنين؛ استهزاءٌ وسخريةٌ في الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:29]، ثم يوم القيامة، المؤمنون هم الذين يضحكون منهم: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:34].
وسيذكرّهم الله بذلك يوم القيامة، إذ يقول لهم حينئذ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:109-110].
أما حال أهل الجنة فحالهم حال استبشار وفرح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:38- 39]!
هذا عما جاء في القرآن الكريم من وصف لحالي الضحك والبكاء. وأما السيرة النبوية فتروي لنا عن ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان أكثره تبسما، وكان يضحك حتى تبدو نواجذه – أي أضراسه- من دون قهقهة، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: “ما رأيت رسول الله مستجمعا ضاحكا حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم”. وقالت عندما سئلت عن سيرته صلى الله عليه وسلم في بيته: “كان ضحاكا بساما”.
أما البكاء فلقد شاع في مجتمعاتنا أنه من خصائص المرأة وأن “الرجل” لا يبكي، وقد نوبخ الطفل على بكائه “كالأنثى” ونحمله على كبت هذه الخاصية الإنسانية التي وضعها فيه الخالق!
وهل ثمة من هو أكمل رجولة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد كان يبكي رحمة وخشوعا حتى تخضلّ – أي تتبلّل- لحيته عليه الصلاة والسلام!
ولقد عرف عليه الصلاة والسلام من الأحداث الأليمة ما جرت لها دموعه. ففي صحيح البخاري ومسلم، عن أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رسول إحدى بناته تدعوه إلى ابنها في الموت. فقال النبي: «ارجع فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرها فلْتصبر ولتحتسب»، فأعادت الرسول أنها أقسمت لتأتينها، فقام النبي وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، فدفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شنّ ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».
وكذلك عندما مات ابنه إبراهيم، فيما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القَين وكان ظِئْراً لإبراهيم – أي كانت زوجته مرضعة لإبراهيم-، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: «يا ابن عوف إنها رحمة». ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» (صحيح البخاري).
وبكى لموت عمه حمزة رضي الله عنه، قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب، وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته، وانتحب حتى تشعَ – شهق- من البكاء.
وكان صلى الله عليه وسلم يبكي بكاء خوف من الله، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ»، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال: «حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (صحيح البخاري ومسلم).
فكان صلى الله عليه وسلم يبكي عند قراءة القرآن وعند سماعه، فعن عبد الله بن شخير قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المِرجَل من البكاء» – أي كصوت غليان القِدر- (رواه أبو داود والنسائي).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المِقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا قائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» (رواه أحمد وابن حبان).
وبكى صلى الله عليه وسلم لبكاء أهل الصُّفّة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾، بكى أصحاب الصفّة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم – أي شدة بكائهم- بكى معهم فبكينا لبكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لايلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تُذنبوا لجاء الله بقوم يُذنبون فيغفر لهم» (رواه البيهقي).
وبكى صلى الله عليه وسلم عند كسوف الشمس، خوفا على أمته أن يوقع الله بهم العذاب، وهو يصلي ويدعو الله ألا يعذّبهم وهم يستغفرون.
وفي أول عهده بالدعوة حين جاءه عمه أبو طالب يطلب منه أن يترك أمر هذا الدين، فبكى صلى الله عليه وسلم بعد قوله له: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك فيه».
هذا بعض ما جاء في السيرة النبوية عن بكاء النبي صلى الله عليه وسلم. أما الصحابة رضوان الله عنهم فقد عُرف عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان بكاّءً عند قراءة القرآن، فلما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة مرضه أن ينوب عنه في الصلاة بالناس قالت عائشة رضي الله عنها: «إن أبا بكر رجل أسيف – أي رقيق القلب- إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس» (رواه البخاري).
وبكى حزنا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أشار إلى اقتراب وفاته في أيام مرضه بقوله: «إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله». فعندما التحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، «دخل عليه الحجرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتّها» (رواه البخاري).
وعُرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشدة الإنابة والتبتل وكثرة الخشية من الله عز وجل، وقال عنه عبد الله بن شداد: “سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح، وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. ولقد رؤي في وجهه خطان أسودان من البكاء. ولقد نعجب من شخصية مثل شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو المعروف بالشدة والصرامة أن يكون على تلك الحال من التأثر والبكاء.
وعند انتصار المسلمين في معركة القادسية وبعد عودتهم منها بمتاع كسرى، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم إنك منعت هذا نبيك ورسولك، وكان أحبَّ إليك مني، وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر، وكان أحبَّ إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي، ثم بكى حتى رحمه من عنده، ثم قال لعبد الرحمن: أقسمت عليك أن تبيعه ثم تقسمّه بين الناس قبل أن تمسي”.
وقال يوما لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “يا أبا موسى، ذكّرنا ربنا“، فكان أبو موسى يقرأ، ويستمع عمر ومن معه رضي الله عنهم فيبكون.
ومن مواعظه قوله للأحنف: «يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استُخِفّّ به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثُر سقطه – أي زلاته- ، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه».
فمن الواضح من سيرة الصحابة رضوان الله عنهم وهم القدوة، وسيرة النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وهو أسوتنا، أن البكاء ليس “حالة عاطفية تخص المرأة، لضعفها وشفافية حسها” كما نظن – ويشاركها فيها الطفل- دون الرجل، إنما هو تعبير بشري إنساني وضعه الخالق عز وجل فينا، الذكر والأنثى على السواء. وقد أظهرت بحوث علمية أن الإنسان يبكي ويضحك وهو جنين في بطن أمه!
إن البكاء دليل على رقة القلب ولينه، وكما تحفظ الدموع العين من الجفاف، كذلك هي تحفظ القلب من الجفاء والقسوة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو الصحابة إلى البكاء فيقول لأحدهم: «اقرأ هذا القرآن وابك، فإن لم تبك فتباكَ»، ولآخر: «ولتبكِ على خطيئتك». وهو القائل لعمربن الخطاب رضي الله عنه، عندما بلغوا الملتزم: «هاهنا تنسكب العَبَرات يا عمر».
فإن كان الضحك أوكسجين القلب، وهو نعمة من الله تعالى وهبنا إياها لنستروح بها عما يصيب النفس من كدر وتعب، ففي البكاء حياة القلب، وهو نعمة أيضا؛ وقد حُرمها أهل النار؛ إذ هم فيها يصطرخون ولا يبكون.
ولقد شدّ انتباهي هذا الأمر ورحت أتساءل: كيف لا يبكون وهم في موضع ذل، وعذاب وألم شديدين؟ فوجدت أن البكاء فيه أيضا تسرية عن النفس من ثقل ما تجده في صدرك من غم أو حزن، ولم يكن الله ليعطيهم ذلك – وهو الذي يضحك ويبكي- وقد استحقوه عدلا من الله تعالى، بما كانوا في الدنيا يضحكون من آيات الله ويستهزئون بالقرآن وبالأنبياء وبالمؤمنين، ولم يبكوا من خشية الله قط، ولم تدمع عيونهم تأثرا بكلام الله عز وجل، فعطل الله هذه الخاصية فيهم إذ لم يحسنوا استخدامها في طاعة الله التي خلقت من أجلها، كما عطل الله قدرتهم على السجود إذ يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون، وعطل خاصية البصر فلا يبصرون ويحشرون عميا كما عموا عن الحق وعن آيات الله… نسأل الله العافية!
فسل نفسك: ما يضحكك وما يبكيك؟ فإن كان ضحكك مما يعجب له المرء من المواقف الطريفة والمزاح اللطيف فهذا طبع جُبل عليه الإنسان، وقد كان صلى الله عليه وسلم يضحك لضحك الصحابة وهم يتذكّرون أمورا من أمور الجاهلية وكان يضحك من عدم فهمهم لبعض أمور الدين فهما صحيحا…
وإن كان بكاؤك على فوات حظ من حظوظ الدنيا، أو فقدان محبوب من محبوباتك المادية، فأنت أشد ما تكون ألما وبكاء على ما لم تبلغه نفسك من متاع وملاذ، فهذا من أتفه أسباب البكاء وهي تدل على المساحة الهامة جدا التي تعطيها لنفسك وللدنيا.
وإن كنت قد بكيت وأنت تقرأ كتاب الله، واقشعرّ بدنك وأنت تسمع آية وعيد من العزيز القدير، فهذه بلا شك هي أرقى أنواع البكاء، وقد أعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر العين التي تبكي من خشية الله وقال إن صاحبها لا يدخل النار أبدا: «حرّمت النار على عين بكت أو دمعت من خشية الله»، وفي حديث: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله». كذلك من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»!
فاحذر ضحك السخرية والاستهزاء فهو أحط أسباب الضحك، ولا يكن بكاؤك على دنيا لم تصبها ولكن ابك على ما فرّطت في جنب الله، وليس أصدق من دموع تائب نادم على خطيئته عائد إلى الله!
فقيمتك هي في الشيء الذي يجعلك تبكي..
جعلنا الله وإياك من رقاق القلوب، ومن الذين تخشع قلوبهم لذكره وتبكي عيونهم خشية ومحبة وتعظيما له جل وعلا ولكتابه العزيز وما جاء فيه من الآيات والنُذر.
والله جل وعلا يدعونا مؤنبا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:16]!
والحمد لله رب العالمين.
- 5.06.11
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي