الــــرحــمـــــــــــــة
نشر ضمن مقالات ·الـرحــمــة؛ إسم سلس لفظه على اللسان، طيب أثره على النفس، يحتاجه كل مخلوق. ولا بد لمن كان بحاجة لمن يرحمه أن يكون ضعيفا، ولابد لمن كان غيره بحاجة إليه أن يكون قويا.
وبنو البشر محتاجون إلى أن يرحم بعضُهم بعضا ويسعف بعضهم بعضا مهما بلغوا من أسباب القوة؛ فمن قوي منهم في أمر من الأمور، لابد أن يكون في غيره ضعيفا محتاجا. والله خلق الناس مختلفين رحمة بهم كي يتخذ بعضهم بعضا سُخريا من دون تكبر أو استعلاء، حتى إذا عجزوا جميعا احتاجوا إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض.
إلى الرحمن الرحيم؛ الذي وسعت رحمتُه كلَّ شيء، فشمِلت البرَّ والفاجر والمؤمن والكافر.
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة:2-3].
﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة:163].
إنه الرحمة مصدرا والرحيم والرحمن صفة. فأما اسم الرحمن فهو الذي لا ينازعه فيه منازغ، ولا يتصف به سواه، وقيل هي الرحمة العامة التي ينال نصيبا منها كل خلقه الأولياءُ منهم والأعداء. أما اسم الرحيم فيخصُّ به أولياءه من المؤمنين، فيضفي عليهم من رحماته في الدنيا وفي الآخرة.
وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، فعن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه: « قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلّب ثديُها تسقي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: أتُرون هذه طارحةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحَه، فقال: “لله أرحم بعباده من هذه بولدها». (رواه البخاري ومسلم)
ومن آثار رحمته جل وعلا ما يغدق علينا من كثير النعم، من السماء والأرض: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان:20]. ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل:18].
فالمطر الذي ينزّله جل وعلا من السماء فيَسقِـي به الأرض لتنبتَ لنا من أنواع الخضر والفاكهة هو رحمة منه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ [الأعراف:57]. ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ [الروم:46].
ولقد يصيبنا القلق والخوف عند انقطاع المطر، فنجأر لله بالدعاء والاستسقاء، والله تعالى يقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى:28].
ولأننا لسنا بأقلَّ حاجة إلى ما يغدي أرواحنا وينزع بنا إلى سلوك طريق الخير؛ كانت من رحمته تعالى بنا أن أرسل رسله بالهدى والرحمة؛ لكي نهتديَ بهم ونقتديَ في حياتنا الدنيا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:57].
فالرسل رحمة، والكتب السماوية رحمة: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء:82].
والقرآن رحمة؛ بما حواه من عظيم الدروس والعبر، وجليل المواعظ والحكم، ورفيع الأحكام والأخلاق.
ولقد جاء القرآن الكريم ليبشر الذين آمنوا واتبعوا ما فيه، بالرحمة التي سينالونها يوم القيامة؛ وتلك هي الجنة، التي يجزي بها الله عباده الصالحين: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾ [الجاثية:30].
وأما الذين لم يتبعوا رضواه، فينذرَهم القرآن بنقيض ذلك من العذاب،: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [العنكبوت:23].
والمؤمن الحق يرجو رحمة الله ويخاف عذابه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء:57].
لكن رغم ما يحرص عليه المؤمن من رضا الله، إلا أنه لا محالة واقع في الخطإ والزلل، لذلك كانت من رحمة الله الواسعة بعباده أن وهبهم مغفرته، فكان بهم غفورا رحيما: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر:53].
وليس ينجينا من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة إلا مغفرتَه لذنوبنا وخطايانا. وقد جاء في الحديث القدسي: “إن رحمتي تغلب غضبي” (البخاري). وفي رواية: “ إن رحمتي تسبق غضبي”.
وقال جل وعلا في كتابه العزيز، يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام:54].
وما أكثر ما يقترن إسم الله “الغفور” باسم الله “الرحيم” في القرآن الكريم بما يفوق السبعين آية !
ونحن حقا محتاجون إلى المغفرة والتوبة من الله علينا في كل وقت وكل حين. والله يعلمنا أن نقول: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون:109].
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله كثيرا – وهو الذي غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر- فيُعدّ له في المجلس الواحد – كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه- مئة مرة: “رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم” (أبو داود).
وهو الذي أوصى من جاء يسأله دعاءً يدعو به في صلاته، فقال له عليه الصلاة والسلام: “قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم” (البخاري).
وإن من رحمة الله أن أرسل إلينا بخاتم النبيين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ليكون “رحمة مهداة” كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم (الدارمي).
وكما قال عنه رب العالمين: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:107].
فاصطفى لحمل آخر رسالاته وكتبه من كان جامعا لصفات الرحمة والرأفة واللين، وهو يصفه في كتابه العزيز بقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:128].
وعن رحمته بأصحابه يقول جل وعلا: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ [سورة آل عمران: 159].
ولقد كان صلى الله عليه وسلم رقيق القلب رحيما رؤوفا، لين الطبع، كريم الأخلاق: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ [التوبة:61].
ولم تكن رحمته بالذين آمنوا به واتبعوه فحسب، ولكنه كان أيضا رحيما بالمشركين، وكان يسأل الله أن يهديهم، واعتذر عنهم في غزوة أحد بأنهم لا يعلمون، وهم الذين آذوه في تلك المعركة شر أذيّة.
وفي الطائف عندما طلب منه الملَك أن يطبق عليهم الجبلين بسبب ما لاقى منهم من الأذى، فقال صلى الله عليه وسلم: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبدِ الله وحده، لا يشركُ به شيئا”.ويوم الفتح عندما سأل قريشا – وهو العفو الكريم -: “ما ترون أني فاعل بكم“، قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال عليه الصلاة والسلام: “أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكُم اليوم [يوسف:92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
ومن مشاهد الرحمة في سيرة نبي الرحمة: رحمته بالميت، وهو الذي بكى لموت إبنه إبراهيم، فأخذه فقبّله وشمّه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه متعجبا: وأنت يا رسول الله ! فقال صلى الله عليه وسلم: “يا ابن عوف إنها رحمة” (صحيح البخاري).
وبكى لموت ولد إحدى بناته، فلما دُفع الصبي إليه فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد بن عبادة رضي الله عنه: يا رسول الله ما هذا ؟ قال: “هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء” (صحيح البخاري ومسلم).
وبكى لموت عمه حمزة رضي الله عنه، حتى ما رؤي باكيا أشد من بكائه عليه. وبكى لموت أصحابه رضوان الله عنهم.
ومن حرصه على أمته ورحمته بهم أن بكى صلى الله عليه وسلم، لما رأى كسوف الشمس، خوفا على أمته أن يوقع الله بهم العذاب، وهو يصلي ويدعو الله ألا يعذّبهم وهو يستغفرون.
ولقد تجاوزت رحمته للبشر ممن عرف وممن لم يعرف، ممن آمن به وممن لم يؤمن به، لتسع الحيوان والشجر؛ فكان يأمر أصحابه بإراحة الذبيحة بحد الشفرة. وإذا خرجوا في غزوة أمرهم ألا يقطعوا شجرة ولا يقتلوا شيخا أو امرأة.
وشكت له دابة تعذيب صاحبها لها فأمره أن يخفف حملها. وسمع بكاء جذع الشجرة التي كان يتوكأ عليه عندما يخطب في الناس، وقد فارقها إلى المنبر الذي بُنيَ له، فحنّ لحنينها.وكان يحث صلى الله عليه وسلم على التراحم، فيقول: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء” (أبو داود). وهو القائل عليه الصلاة والسلام: “لن تؤمنوا حتى تراحموا“، قالوا: يا رسول الله كلّنا رحيم، قال: “إنه ليس برحمة أحدكم صاحبَه، ولكنها رحمة الناس، رحمة العامة”. (الطبراني والحاكم)
وتلك كانت صفته والذين اتبعوه من الصحابة الكرام عليهم رضوان الله تعالى وهو القائل في شأنهم جميعا: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح:29].
وإنها لمن أجلّ صفات المؤمنين، كما ينوه بذلك كتاب الله الحكيم: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد:17].
وكما جاء في وصف النبي عليه الصلاة والسلام: “مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتواصلهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”. (متفق عليه)
فلا غُرو أن ديننا الحنيف يدعو الناس إلى التراحم بينهم والتواصي به، وهو دين المرحمة. وقد جعل الله بين مخلوقاته رحمة يتراحمون بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: “جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”. (البخاري)
وأما الرحمة الخاصة التي يوصي بها ديننا الحنيف فهي تلك الرحمة الواجبة بين الأرحام، وقد قال جل وعلا في شأنها: “أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت له اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته”. وليست تقصر تلك الصلة المطلوبة بين الأرحام على التزاور، بل تتعداه إلى المساعفة بالمال والجهد.
وإن أحق ذوي الرحم بالرحمة: الوالدان؛ وهما أحوج ما يكونان إليها، عندما يبلغان الكبَر وينالهما الضَّعف. فالله يوصي في شأنهما بقوله: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:23-24].
فإحساننا إليهم تلقاء إحسانهم إلينا في صغرنا – وبعدما نكبر أيضا – وليس يجزيه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالولد، فكان يقبل الحسن والحسين ولدا حبيبة قلبه فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكانت تأتيه لتسلّم عليه فيقبلها ما بين عينيها ويجلسها بجواره.
ولما رآه الأقرع ابن حابس التّميمي يقبل الحسنَ بنَ عليّ، قال: إن لي عشرة من الولد ما قبّـلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله وقال: “من لا يرحم لايرحم” (البخاري). وللأعرابي الذي سأله: أتقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ (البخاري).
وممن يوصي به الإسلام أيضا: اليتيم وهو أحوج الناس إلى الرحمة، وقدانقطع عنه معينها، من أحد أبويه أو كليهما، لا يعوضه عن فقدانهما إلا شفقة وحنو أقاربه وذوي رحمه عليه، والله يقول لنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ [الضحى:9]، وهو القائل: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين” وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (البخاري).
فإذا رأيت دارا للمسنين ودارا للأيتام فاعلم أن ساكنيها هم أقل الناس حظا من الرحمة، وقد قست قلوب ذويهم عليهم، ممن كان له منهم ولد أو قريب ولم يأبه بوجوده هناك، ما أقسى قلوبهم وما أشقى نفوسهم، ورسول الرحمة يقول: “لا تُنزع الرحمةُ إلا من شقي” (البخاري وأبو داود والترمذي).
ولله درّ من كان رحيما بوالديه، رحيما بأهله، رحيما بولده. وهل تبنى البيوت إلا على المودة والرحمة ؟ ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم:21]. وإن من الثلاثة الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة: “رجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى” (مسلم).
وممن لم تجمع بيننا وبينهم وشائج قربى أو نسب أو صداقة، كان لزاما علينا على أساس من الأخوة الدينية أو الإنسانية أن يرحم بعضنا بعضا؛ بأداء الأمانات ومنح الحقوق وحفظ العهود، والمعاملة بالحسنى ولين الجانب ومساعفة الضعيف والمريض والمحتاج.
فإذا غابت مثل هذه الأخلاق بين الناس، كان ذلك دليلا على قسوة القلوب. وكيف لنا أن نطلب أن نُرحم ولسنا نرحم غيرنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “من لا يرحم لا يُرحم”.
إذ كيف يسوغ لنا أن يغش بعضنا بعضا ولسنا نحب أن نُغشّ؟ وكيف يسرق بعضنا مال بعض ويسلب بعضنا حقوق بعض ولا نحب أن يُسرق مالنا أو يهضم حق من حقوقنا؟ كيف نرضى أن نسلم بعض إخواننا للفقر والضَّعف والحاجة ونحن قادرون على إسعافهم والأخذ بأيديهم بما أوتي بعضنا من مال وقوة وسلطان؟
وهل يَسلم أحدنا من الضعف ومن المرض ومن الشدة ومن الفاقة إلا برحمة من الله تعالى؟ وهل نفوز بهذه الرحمة منه جل وعلا الله إلا قدر ما نكون رحماء؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لا يرحمُ الناس لا يرحمْه الله” (البخاري ومسلم). وفي حديث: “ لا يرحمُ اللهُ من لا يرحمُ الناس “ (مسلم).
وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى” (أخرجه البخاري).
والمؤمن هيّن لين سهل، كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان أحد قاسيا في معاملاته، فظا غليظا إلا كان ذلك نقصا في إيمانه.
وإن الرحمة التي يطمع فيها جميعنا من إله الرحمة، في الدنيا وفي الآخرة، وهو الذي خلقنا ليرحمنا لا ليعذبنا حيث يقول جل شأنه: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء:147].
إن هذه الرحمة المرجوة سوف ننالها، ولكن بشروط أوردها المولى عز وجل في كتابه العزيز، في عدد من الآيات يختتمها بقوله “لعلكم ترحمون”. و“لعل” من الله تفيد التحقيق، كما يقول علماؤنا.
تلك الشروط هي: طاعة الله ورسوله، واتباعُ ماجاء في كتابه مع التزام التقوى والاستماعُ والانصاتُ للقرآن عند تلاوته، وإقامةُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة. وأيضا في الإصلاح بين الأخوين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات:10].
وكما أننا بحاجة إلى أن يرحمنا ربنا جل وعلا، ونحن ندعوه: ﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة:286].
نحتاج إلى أن تلين قلوبنا بالرحمة بعضنا لبعض، وقد شكا أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فأوصاه بالمسح على رأس اليتيم.
فأول الرحمة أن نرحم الضعيف كيفما كان ضَعفه، وأن نتراحم أيضا بالإحسان والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف:56].يقول ابن قيم الجوزية في معنى هذه الآية: “اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان، لأن الجزاء من جنس العمل؛ فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته”. (أعلام الموقعين).
يسبق هذه الآية الكريمة، قوله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف].
- 5.06.11
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي