حب النفس و حب الله
نشر ضمن خواطر ·ما من شخص إلاّ ويحب ذاته؛ يحبّ سعادتها ويحب سلامتها ويحب أن يؤثرها بكل خير. ومن حبه لذاته أنه يحب من يُحبّه ويثني عليه ويُحسن إليه، ويكره من يُسيء إليه؛ وقد جبلت النّفوس على ذلك. فكل همّ الإنسان مع نفسه أن يجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار.
لكن ثمة من يبلغ حجم نفسه عنده حدًّا يغطّي على كل ما عداه؛ فلا يهتم إلا لما تريده نفسه فيحققه لها، وما تطلبه فيجيبها إليه؛ فهو يرضيها فى كل أمر تهواه ولا يسخطها أبدا.
ومثل هؤلاء تضخم نفوسهم عندهم كثيرا حتى تفوق من ليس يفوقه شيء، فتكون أكبر منه وهو الأكبر!
إنّه الله، الذي لا يجوز أن نؤثر رضا نفوسنا على رضاه. أو نضع رضاه في خانة ضيقة جدّا ضمن دائرة الأنا التي تستأثر عندنا بالنصيب الأوفر من الاهتمام والحبّ، بدل أن يكون حبنا لأنفسنا ضمن دائرة كبيرة هي حب الله، ليكون رضاها تبعا لما يحبه الله ويرضاه!
ولنا مَثَل في صاحب الجنتين الذي آتاه الله مالا وولدا وجنّات وزروعا وأنهارا، فاغتر بذلك وتعاظمت نفسه في عينيه، وتضخمت أناه حتى ما عاد يعترف بلقاء مع الله، وإن كان ثمة لقاء فمن أجل أن يحظى بمزيد من الخير والفضل فهو الذي أوتيه أولا، فلابد أن يؤتاه آخرا!
وثمة شخصية أخرى يحكي عنها القرآن الكريم؛ ذاك هو قارون الذي أطغاه ماله وغناه، فلما دُعي من قومه إلى النّظر في أمر الآخرة وتذكر حق الفقراء والمساكين، قال إن ما أوتيَه إنما أوتِيَه بعلمه، فلا حق لأحد فيه!
ونرى ما تمتلئ به نفوس هؤلاء من الفخر والعجب والغرور، ومثل هذه الصفات هي التي تجعل الإنسان يتجرأ على الله ويتكبر على الخلق.
وهي نفسها التي جعلت إبليس يرفض الامتثال لأمر الله بالسجود لآدم حيث رأى أنه أعظم شأنا منه؛ فهو من نار وآدم من طين! ولقد كان يظنّ أنّه محور العالم، فلما أحسّ أن ثمة مخلوق جاء لينافسه مقامه ذاك أبى واستكبر ثم ما لبث أن أغراه حتى أخرجه من الجنّة…
وما من معجب بنفسه إلاّ ويظن أنه محور العالم، فإن ضاقت عليه الأرض فلأنّ نفسه قد حرمت من شيء ما فلم تنله وهو من حقها! وإذا ازدهت الدنيا في عينيه فلأنّ نفسه قد أحرزت مبتغاها من كل شيء، فهي فرحة جذلة!
وما تعارض حب النفس مع حب الله إلاّ لأنّ حبّ الله يستدعي أن يحب المرء للآخرين ما يحب لنفسه، بل ويؤثرهم على نفسه؛ وهذا ما ليس من شيمة المحب لنفسه كثيرا.
فالله تعالى يدعو صاحب المال إلى الإنفاق، ونفس كهذه شحيحة بخيلة. والله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والذي يحب ذاته كثيرا لابد أن يبغي على غيره ويعتدي ويمنع الحقوق إيثارا لنفسه. ويتعاظم الذنب والخطأ إذا وقع عليه لأنّ نفسه أعزّ عنده من أن تُمسّ بسوء أو يُهضم لها حقّ، فهو منتصر لنفسه بحق وبغير حق لغلبة حبه لذاته على حب الآخرين!
فلا يمكن أن يجتمع حب الله مع حب النفس في قلب رجل واحد إذا غلب عليه الهوى، إذ لابدّ لأحدهما أن يطرد الآخر.
والذي تكون نفسه محور انشغالاته كلّها لابدّ أن يكون محبّا للدنيا، فإذا سكن حبّ الدنيا قلبه خلا من كل ما سواه. وحب الدنيا يعارض حب الله، وهي التي لا تساوي عنده جناح بعوضة.
ولقد ذكر لنا القرآن الكريم أصحاب الجنّة؛ الذين أرادوا أن يؤثروا أنفسهم بالنصيب الذي كان يقتطعه أبوهم للفقراء من حصيلة بستانه؛ فتبرز لنا الرؤية القرآنية مقدار حبهم لذواتهم وطغيان حب الدنيا وحب المال عليهم.
وما العيوب التي عابها القرآن الكريم في الإنسان إلاّ تلك التي يتصف بها عندما يكون حبيس نفسه وأسير فرديته، فصاحب المال تجد دائرة الخير لا تتجاوز حدود نفسه وأهله وولده، بينما تجد صاحب المال القليل يعطي منه جاره والفقير من ذوي قرابته وصاحبه؛ وما ذاك إلاّ لأنّه معلّق القلب بربه مؤثر لرضاه.
ولأنّ الحب رضا كان لابدّ لمن يحب أن يتحرى رضا حبيبه، ويملأ حبُّه قلبَه فيصبح ما يحبه حبيبه آثر عنده وأسبق على ما تحبه نفسه. فإن توافقا كان ذلك غاية السعادة والهناءة، وإن تعارضا آثر محبوب حبيبه على ما تحبه نفسه.
لذلك كان من قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما سأله قدر حبّه له فقال أنّه أحبّ إليه من كل شيء إلاّ من نفسه، فقال: “لا يا عمر حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك“، فنظر عمر ثمّ قال: الآن أنت أحبّ إلي من نفسي، فقال عليه الصلاة والسلام: “الآن يا عمر”.
ونجد في القرآن الكريم، مقابل من ذكر حبّهم لذواتهم واغترارهم بالدنيا، من هم على نقيض هؤلاء من الأنبياء عليهم السلام وهو الذين تعلّقت قلوبهم بربّهم فحصلت لهم “المعية“، كما يتبين من قول سيّدنا موسى عليه السلام لقومه: “إنّ معي ربّي سيهدين“، وقول سيّدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه لصاحبه في الغار: “لا تحزن إنّ الله معنا”!
وإنّها المعية التي يشعر بها كل من ملأ حبّ الله قلبه؛ فكان الضابط لكلّ أحواله من حب وبغض، وأخذ ومنع، وحكم وشهادة.
فمن آثر حبّ الله تعالى وطاعته على حبّه لنفسه تجده يعطي ويؤثر غيره بالخير، فتكون محبوباته موافقة لمحبوبات الله تعالى وتكون مبغوضاته هي ما أبغضه الله تعالى ونهى عنه.
ومن أحبّ الله تعالى لم يرافق ولم يصاحب إلاّ من كانت محبته له موافقة لمحاب الله تعالى ولا يأنس إلا بمثله، فيكون خير معين له على طاعة الله تعالى. ولا يختار لنفسه صديقا أو زوجا أو شريكا أو تجارة يكون محبّا لنفسه مؤثرَها على حب الله، فيشركه في شركه.
وقد طلب سيدنا موسى عليه السلام الأزر من الله في أخيه هارون فقال: “كي نسبّحك كثيرا ونذكرك كثيرا“، وطلب سيّدنا زكريا عليه السلام الولد فقال: “يرثني ويرث من آل يعقوب“؛ يرث الكتاب والنبوّة حبّا لله ولدينه.
فإن كان صديقك مثل هذا الصديق المعين على الخير وعلى طاعة الله فنعم الصديق هو، وإن كان زوجا فهنيئا لك مثل هذا الزوج، وإن كان شريكا لك في تجارة فبارك الله في شركتكما!
إنّ الإنسان إذا أحبّ نفسه أحبّ لها الغنى والربح والنفع، ومن قول الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: “أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه”.
ولابدّ لمن أحبّ المال والدنيا أن ينشغل عن الله بما يظن أنّه مستغن به عنه. مستغنٍ بالمال والولد، والله هو الذي رزقه إياه. ومستغنٍ بنفسه، والله هو الذي وهبه إياها!
فليسائل كلّ منّا نفسه إن كان مستغنٍ بها عن ربّه أم أنّه مستغن بالله عمّن سواه…
لينظرْ إن كان ممّن يتبع نفسه هواها أم أنّه ممّن جعل هواه تبعا لما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم…
لابدّ أن نعيد صياغة نفوسنا ونراجعها بين الفينة والفينة لنرى إن كان حبّنا لربنا آثر عندنا من حبّنا لأنفسنا، أم أننّا نتردد عندما تُعرض علينا أمور الحياة ونعتقد الغَناء بما حبانا به من مال أو جمال أو علم أو ذكاء …
لننظر في مدى استغنائنا بربّنا. وقد يبدو الأمر غير قابل للجدل، والإسلام ديننا والإيمان بالله تعالى ربّا يسكن قلوبنا بلا مراء! لكن مجرد المجادلة فيما قضاه الله تعالى وفرضه ومجرد عرضه على العقل للنظر فيه – وليس العقل هو الناظر فيه بل هوانا! يهوي بنا في بحور الهوى؛ هوى النفس التي تجادل وتعارض، وليس ثمة من حبّ الله وطاعة له إلاّ بمعارضة الهوى.
والخطر ليس في المجادلة في أوامر ربّنا ونواهيه، ولكنّه اليوم في واقع المسلمين الذين ندّعي تمثيلهم ونحن قد أمسينا ممثلين بارعين لعقلية لا تمت إلى العقلية الإسلامية بصلة: إنّها العقلية الغربية التي تبنيناها وأصبحت قوانينها وركائزها لصيقة بكثير من سلوكاتنا بل ومعتقداتنا.
إنمّا الفردية الغربية والانتصار للذات وإيثارها على كلّ شيء وبكل شيء ترغب فيه. إنّها الأنانية المفرطة التي ينبني عليها دستور الأمم المتقدمة وقد اتخذنا منه دستورنا أيضا في المسير للالتحاق بركب التقدم والتحضر!
لكن كيف حدث ذلك، ودستورنا يدعو إلى عبادة الله وحده ومخالفة الهوى، ودستورهم يدعو إلى عبادة الذات واتباع الهوى؟
كيف، ودستورنا يدعو إلى حب الله تعالى والإحسان إلى خلقه، ودستورهم يدعو إلى حب النفس وتعظيم الحريات الفردية وتقديم
المصلحة الشخصية على الصالح العام؟
كيف، ودستورنا يدعو إلى الإيثار والإنفاق والبذل، ودستورهم يدعو إلى الأثرة وإلى الاستهلاك المفرط من كل شيء وإمتاع النفس بلا حدود ولا رادع؟
كيف، ودستورنا يدعو إلى تزكية النفس والتسامي بالروح وتوثيق الصلة بالله بالعبادة والطاعة وحسن التوكل، ودستورهم يدعو إلى السعي وراء شهوات البدن والخضوع لقانون المادة الذي لا يعترف بإله؟
فأي من الدستورين هو دستورك؛ أهو دستور الله أم دستور نفسك وهواها؟؟؟
- 5.06.11
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي