الموت والـحيــاة
نشر ضمن خواطر ·بيننا وبين الموت خيط رفيع يشدنا إلى هذي الحياة. في كل يوم نرى ونشهد ونسمع كيف أن الموت يقترب من إنسان لينتزع منه الحياة في لحظة ينطق فيها الأجل بالانقضاء. رغم ذلك نشد على هذا الخيط الرفيع متمسكين بالحياة، والموت يشده من الطرف الآخر لا محال قاطعه.
إن المرء يكون بيننا يأكل ويشرب ويضحك ويتحرك وينام ثم يأتيه أجله الذي ينام فيه نومة لا يستيقظ بعدها إلا وهو بين يدي ربه!
لا شك أن ثمة خطأ نعيش عليه، ذلك أنه عوض أن يكون تفكيرنا في كل أمور الدنيا انطلاقا من هذا “القدر المحتوم“، إلا أننا نفكر في الدنيا من خلال الدنيا ونحيا حياتنا كأن شيئا إسمه الموت غير كائن.
نعيش كأننا على علم بآجالنا ثم نحن ننثر بعض الحسنات هنا وهناك على طول أعمارنا، أو نجعلها مجتمعة عندما يتقدم بنا السن ونتيقن دنوّ الأجل فنسارع إلى فعل الخيرات!
نطلب الخير كله عاجله وآجله؛ كأن من صفاتنا الخلود في هذه الدنيا وقد جئنا إليها لنستمتع بخيراتها و“كأن الموت على غيرنا كتب” كما قال صلى الله عليه وسلم!
الله يرقبنا والملائكة تسجل أعمالنا والموت يطلبنا، فكيف بربي ننسى كل هذا ونضرب في الأرض على غير بصيرة؟!
إن الإنسان إذا وضع هذه الحقيقة نصب عينيه أصلح كثيرا من أحواله وسلوكاته. وهو أقرب ما يكون من الصواب والرشد عندما يفكر أن الموت طالبه، وقد يكون في غده وقد يكون في توه.
إن تذكّر الموت يقتل في النفس كل آفاتها من طمع وشح وحسد وحقد، يقتل فيها الغرور والتعالي، ويحييها من بعد جفاء وغفلة.
إن المرء عندما يقبل على عمل قبيح أو يهمّ به، فإذا به يتراجع ويراجع نفسه لأنها حدّثته بذكرى الموت فكانت له زاجرا.
وليس الموت ما يجب أن نخشاه ولكن ما بعد الموت، عندما يقف المرء بين يدي ربه عاريا إلا من ذنوبه وحسناته، تُلقى في الميزان لينطق بالحكم الأخير!
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه”.
إن تذكّر الموت ليس موتا بل حياة؛ حياة للنفس والروح تستجدّ بذكراها وتسعى إلى المزيد من الخير والإحسان، يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام – رحمه الله-: “النظر في البعث وسيلة إلى الاستعداد له، والتزيّن للقاء الله تعالى”.
إن المرء عندما يكون على موعد مع شخص “مهم” يتجمّـّل ويتزيّـن ويرتدي أبهى ثيابه ليظهر بمظهر لائق أمامه. كذلك عندما يلقى المؤمن ربه يجب أن يستعد لذلك اللقاء المهم؛ بتجميل باطنه وتجميل صحيفته. يقول جل وعلا في الحديث القدسي معاتبا عبده: “عبدي طهّرت منظر الخلق سنين أفلا طهّرت منظري ساعة”.
إن في الموت عبر كثيرة لابد للمؤمن أن يعيَها: إنه ليس ظلمة تلقى في النفس فتبثّ فيها اليأس والقنوط، بل هو نور يضيء للمرء الطريق ويجعله يحيا على هدى من ربه. إنه واعـظ حكيم يذكّرنا الآخرة ولا يؤيسنا من الدنيا، وناصح أمين يبصّرنا بعيوبنا كي نصلح من أنفسنا ويذكّرنا بذنوبنا كي نتوب إلى ربنا.
في يوم بينما الحسن البصري يشيّع جنازة رجل، إذا به يأخذ بيد رفيقه ويهمس له: ماذا يفعل هذا الميت إذا عاد إلى الحياة ؟! فرد عليه الرجل في أسف: يكون أفضل مما كان قبل الموت! فقال له الحسن البصري: فإن لم يكن هو، فكن أنت!
فإن كان في الموت الذي يأخذ من بيننا الوالد والولد، والجار والقريب، والرفيق والصديق من موعظة فهي تلك بلا ريب.
وكفى بالموت عبرة أن يجعلنا نحس بقيمة الوقت؛ هذه النعمة العظيمة التي لن ينتهزها الإنسان ولن يحسن استخدامها على الوجه الصحيح إلا إذا كان للموت ذكرى في نفسه.
قال صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”. وقال عليه الصلاة والسلام: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”.
إن وجود مثل هذه المعاني من تذكر الموت واغتنام الوقت حاضرة في قلب المؤمن لابد أن تدفعه إلى إنجاز العظيم من الأعمال، كدأب أولئك الذين تحدث عنهم التاريخ وخلّد أسماءهم بما حققوه من انجازات رائعة في حياتهم شهدت لهم بعد موتهم وما خلفوه من آثار طيبة وذكر حسن.
وإنه لدليل على رجاحة العقل؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أي المؤمنين أكيس؟ قال: “أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا”…
- 3.05.11
- 1 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي
1 · شيخي حسين · mai 23, 19:19