ماهي علاقتك بالقرآن ؟

- أهي علاقة وطيدة ؟ فأنت تقرؤه يوميا وتبحث في كتب التفسير وتنقب في معاني الألفاظ والآيات.

- أهي علاقة وقتية ؟ تقرؤه في رمضان وتجتهد من أجل أن تأتي بختمة قبل انتهائه ثم تضعه على الرف.

- أهي علاقة واهية ؟ فلا تأخذ المصحف إلا نادرا ولا تعرف منه إلا ما حفظت في صغرك من السور القصار تصلي بها صلواتك الخمس.

إن الغالب على علاقة الناس بالقرآن الكريم توقير له لأنه كلام رب العالمين، وتنزيه له على أن يُحمل كما يحمل أي كتاب.

ولا يكاد يخلو بيت من بيوت المسلمين من مصحف تجده محفوظا بعناية على رف من رفوف خزانة كتب.

وقد يصطحبه الناس معهم في حقائبهم وفي سياراتهم وفي أسفارهم ليكون لهم حافظا وحصنا.

وقد يُقرأ ما بين دفتيه السورة والسورتان تبركا أو تعبدا لكسب ذلك الكم من الحسنات التي ضمنها لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم مع كل حرف من حروفه.

وكل هذا لا يعدو أن يكون علاقة سطحية بكتاب هو من رب العالمين، أنزله لنهتدي به من ظلمات الجهل والشك والحيرة، ونسلم من الضلال والضياع والخبط العشواء في غياهب الحياة.

نعلم أنه كتاب الله لكننا لا نقرؤه بجد، لا ننظر فيه بإمعان، لا نجتهد في فهم ما جاء فيه. نظرتنا للقرآن محدودة جدا وعلاقتنا به مبتورة. لم؟

- أهو مشكل ضعف اللغة العربية عند كثير من الناس؛ فهم يستنكفون من قراءته لما يجدونه من صعوبة في فهم معانيه بل وفي قراءته ولو من دون فهم؟

- أهو مشكل عزوف عن القراءة لأي كتاب كان؛ لأننا لم نتعلم أن نقرأ الكتب وأن نحب القراءة، فهي غائبة من حياتنا؟

- مشكل لغة أم مشكل قراءة أو مشكل فكر؛ فلأننا لا نفكر ولم نتعلم أن نفكر، فنحن نبتعد عن القرآن لأنه يدعونا للتفكر، لبذل الجهد من أجل فهم معانيه؟

- أم تراه مشكل تخلف فهو يشمل ذلك كله؛ لأنه لا بد لمجتمع لا يقرأ أن يكون متخلفا، ولا بد لمجتمع أكثره أمي أن يكون متخلفا، ولا بد لمجتمع لديه كتاب هدى وعلم وحكمة لا ينظر فيه أن يكون متخلفا؟

هذا هو واقعنا وهذه حقيقتنا ولا جدوى من الاعتراض عليها أو إنكارها.

لقد طغت علينا ثقافة المظاهر والشكليات، فطالت كتاب ربنا العظيم ليكون اهتمامنا بتزيين شكله وخطه أكثر من تزيين نفوسنا بما فيه من الحكمة والعلم والدعوى إلى الخلق الحسن والتعامل بالحسنى.

ولقد اعتدنا على سماع آياته في البيت وفي السيارة وفي المتجر، لكن لا يهم إن كنا مشغولين بعمل يمنعنا الإنصات إليه وتدبر معانيه.

وحتى لدى المتعلم والمتديّن، ترى اهتمامه بالقرآن وقراءته له لا تتعدى القراءة السطحية لتورعه النظر فيه برأيه. ولأنه لم يسمع خلال سنوات تعلمه ودراسته إلا عن قراءة القرآن وحفظه وختمه ولم يصادف أن قيل له بتدبره وإعمال فكره فيه من أجل فهم معانيه.

ـ لأن الحلال والحرام قد عرفت ماهيتهما وحدودهما،

ـ ولأن الفقه قد تكفل باستنباط كل الأحكام،

ـ ولأن المفسرون قد فرغوا من تفسيره وشرحه، فلا يزاد على ما جاءوا به شيئا!

وهل نحتاج في ديننا ودنيانا فقط لمعرفة الحلال والحرام وأحكام الوضوء والطهارة والصلاة والصيام والزكاة ومناسك الحج؟

فما وظيفة ودور القصص القرآني وسير الأنبياء؟ ما جدوى الحديث عن خلق السماوات والأرض والجبال والإنسان والدواب؟ ما الهدف من الحديث عن خلق الإنسان حديثا مفصلا وعن حياته وموته وبعثه؟ ماذا تعني لنا صفات الجنة وأهلها، وصفات النار وأهلها؟ ما الفائدة من كل هذا وتكراره في كل سورة من سور القرآن الكريم؟؟

نقرؤه على المريض لتطمئن نفسه وتماثل للشفاء، ونقرؤه بنية الرقية كي يتعافى من مرضه. وهو كذلك شفاء ورقية. لكننا نغفل عن كونه أيضا شفاء لما في صدورنا من أدواء: هموم ووساوس ومشاعر سلبية.

نقرؤه على الميت بعد أن تفيض روحه، ونحن الأحياء أحوج إلى قراءته وسماعه لتحيا به أرواحنا وتستفيق.

نقرؤه على الطفل ليهدأ وينام، ونحن كبارا لم تهدأ قلوبنا بعد وتطمئن بذكر الله.

إنه ليس كتاب تخصص لا يفقهه إلا ذوو الاختصاص، وليس كتاب علم لا يعي ما فيه إلا العلماء والمتعلمون، وليس كتاب فلسفة يستوعبه فقط أصحاب العقول المفكرة!

إن كتاب هدى يهتدي بنوره وهديه العالم والجاهل، العاقل والسفيه، المتعلم والأمي. إنه يتوجه بالحكمة والموعظة إلى الناس أجمعيم لأنهم جميعا محتاجون إلى الموعظة والحكمة من لدن حكيم عليم.

ولأن قلوب الناس ونفوسهم قد تتشابه ولو تباينت درجات العلم والعقل لديهم؛ ذلك أن الكِبْر قد يصيب الغني ويصيب الفقير أيضا، والحسد قد يسكن قلب الجاهل وقلب العالم على السواء، والظلم قد يأتي من القوي إزاء الضعيف وقد يأتي من الضعيف إزاء من هو أضعف منه.

والمرض يصيب كل إنسان سواء كان بدنيا عضويا، أم نفسيا قلبيا.

فالخلق جميعا محتاجون إلى الهداية، إلى من يأخذ بأيديهم إلى النجاة؛ من عدو يسكن دواخلهم هو النفس، ومن عدو هو من بني جنسهم من الإنس وآخر من غير جنسهم هو الشيطان.

لذلك كان القرآن منزلا للناس كافة، لأنهم كلهم محتاجون إلى الرحمة؛ والقرآن رحمة، محتاجون إلى التبصر؛ والقرآن تبصرة، محتاجون إلى النور؛ والقرآن نور.

فإن أعرضنا عن القرآن فإعراضنا عن منبع الماء الذي ترتوي به نفوسنا لتحيا كما ترتوي الأرض بالماء، وهل ثمة حياة بدون ماء؟

وإعراضنا عنه هو إعراض عن منبع النور، وكيف لنا أن نمشي ونخوض غمار الحياة في الظلام؟

وإعراضنا عن منبع العلم، كأننا نجد الكفاية في الظنون والنظريات وموروث الآباء!

وإعراضنا عن منبع الخير، كأن نفوسنا قد أقنعها القليل فلا تريد المزيد!

وهيهات أن نحيا حياة الإنس التي أرادها الله لنا، حيث كرمنا صورة وعقلا وهيأ لنا أسباب العيش الكريم!

هيهات أن يتحقق ذلك بعيدا عن المصدر الذي يمدنا بمزيد من الأسباب من أجل البناء والعمران وحسن الخلافة في الأرض!

هيهات أن نبقي على هيئتنا الإنسانية، ونحن نختار أن نحيا حياة البهائم ونريد أن نكتفيَ بما هوديت إليه!

إننا لم نخلق للطعام والشراب فقط فنكتفي بزراعة الأرض وحصادها. لقد خلقنا لأمر أجل من ذلك وأسمى، ودليلنا فيه وإليه هو هذا الكتاب العظيم الذي وضعناه جانبا وسرنا، ولا شيء يُقَدّم بين يديه، فإن فعلنا – وقد فعلنا- فلا نستغرب العثرة والسقوط فالهويان إلى ما ليس يشرفنا أن نهوي إليه…

ولأن هذا الكتاب جاء ليعزَّنا ويفرحَنا ويسعدَنا…

والشقاء لنا إن بقينا على هذا الإعراض وهذا الهجر لكتاب ربنا !

فسل نفسك:

• ماذا تعرف عن القرآن الكريم؟ هل تعرف كيف نزل؟ وعلى مَنْ نزل؟ ولِمَ نزل؟
• هل تعرف قيمته عند الله تعالى وهو كلامه؛ كيف يصفه في كتابه وبأي الأسماء يسميه؟
• هل تعرف كيف كان تعامل من عليه أُنزل وتلقاه وحيا ونورا وآيات بينات؟ كيف كان يقرؤه وكيف كان يتأثر لسماعه؟
• هل تعرف ما أسوأ ما يتعامل به هذا الكتاب العظيم؟ هل تعرف معنى هجر القرآن، ذلك الذي ساء النبي فشكاه لربه؟

إليك الجواب عن:

قـيمة القـرآن
إن من بركة شهر رمضان وفضله أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم في ليلة مباركة من لياليه هي ليلة القدر، نزّله الروح الأمين جبريل عليه السلام إلى السماء الدنيا ليتلقّـاه سيّد الخلق وخاتمُ النبيين محمد عليه الصلاة والسلام وحياً من لدن حكيم عليم.

يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185].

هذه الآية الكريمة التي اعتدت سماعها في مثل هذا الشهر فيها من الأسماء ما يدل على عظمة رمضان وعظمة القرآن! ولقد تعددت أسماء القرآن – وقيل: «إن في كثرة الأسماء دلالة على شرف المسمى»؛ تماما مثلما تعددت أسماء الله الحسنى، وتعددت أسماء رسوله عليه الصلاة والسلام.

فإن أردت تعريفا ووصفا للقرآن الكريم، فليس أحسن ولا أصدق مما وصفه الله تعالى به من جليل الأسماء وجميل الصفات، وهو كلامه الذي قال فيه رسوله عليه الصلاة والسلام: «إن فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه». (رواه الترمذي وقال حديث حسن).

فهو تنزيل من رب العالمين، ومن الله العزيز الحكيم، ومن الرحمن الرحيم، ومن حكيم حميد، وممن خلق الأرض والسموات العلى.
وهو قرآن عربي، مبين، مجيد، حكيم، كريم، عظيم، ذي الذكر.
وهو كتاب مبين، مبارك، حكيم، عزيز، كريم، قيّم، مفصّل، مسطور، مصدّق، مهيمن، متشابه مثاني، عليّ حكيم، لا ريب فيه.
وهو هدى ونور وفرقان ورحمة وبشرى وموعظة وشفاء وروح.
وهو ذكر وذكرى وتذكرة، وبصائر وتبصرة، وبيّـنة وبيّـنات وبيان، وبرهان وبلاغ ووحي.
وهو العلم والحق والصدق والعدل والقسط.
وهو الذكر الحكيم، والنبأ العظيم، والبلاغ المبين، والحكمة البالغة، والعروة الوثقى، والقول الفصل، والصراط المستقيم، وحبل الله.
وهو صحف مكرّمة مرفوعة مطهّرة، وهو صحف مكرّمة فيها كتب قيمة.
وهو أحسن الحديث وفيه أحسن القصص وفيه من كل مثل وفيه آيات بيّـنات ومبيّـنات.
وهو تبيان لكل شيء وتفصيل كل شيء…

فإن سألت: لماذا أنزل إلينا ؟ وبماذا جاء ؟ تجد الله تعالى يجيبك بكل تلك الأسماء وتلك الصفات التي يثني بها على كتابه، حيث يقول جل من قائل:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:15-16].

وقـوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:57].

وفي النساء [174]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.

ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:9].

ويخاطب نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:120]. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:89]. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:52].

ولقد نستشعر قيمة القرآن الكريم وعظمته من تقديم الله تعالى له في فواتح السور، حيث يفتتح جل وعلا البقرة بقوله: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [1-2].

وهود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وإبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. والنمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ . هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

وفي الحواميم، بفاتحة الزخرف: ﴿حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [1-4].

ولجلال قدر القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقسم به، كما في الواقعة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [75-80].

واستمع لوصف النبي صلى الله عليه وسلم له، عن علي رضي الله عنه:

«كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّـار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم». (أخرجه الترمذي والدارمي والبيهقي).

التـأثــر بالقـرآن
رأيت كيف يثني الله تعالى على كتابه ويمجده في آيات كثيرة، وينوّع من صور الثناء ويعدّد الأسماء والصفات لجلال الموصوف وعلوّ قدره! وستقرأ هنا عن ثنائه سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين الذين يتأثرون بالقرآن، حيث يقول جل من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:23].

بهذا الوصف الدقيق يصف الله تعالى تفاعلهم مع القرآن الكريم، بحيث تحدث لهم قشعريرة في بدنهم خوفا من الله ومهابة مما يذكّرهم به من هول الآخرة والحساب والعذاب في النار، ثم تلين عندما يذكر لهم الجنة والنعيم والمقام الكريم رجاء وطمعا في نيل رحمته، وتلين معها القلوب اطمئنانا لذكر الله، وقيل لما هم عليه من الذكر والسير في الطريق المستقيم.

وهؤلاء هم المؤمنون حقا الذين يتجاوبون مع آياته خشية ورجاء، رغبا ورهبا، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2].

وفي موضع آخر: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا . وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:107-109].

وذاك أقصى ما يحدث من التأثر لمن تلقى علم الله بسمعه وقلبه، وقد تفاعلت كل أعضاء بدنه؛ فأورث ذلك خشية وخضوعا، وإيمانا بوعد الله ووعيده ويقينا بوقوعه، فذرفت العيون كما كانت عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرف عند قراءته للقرآن أو سماعه من غيره.

وقد طلب صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه سورة النساء، فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، فبكى صلى الله عليه وسلم (رواه البخاري).

وكان عليه الصلاة والسلام يبكي مع من يبكي تأثرا بالقرآن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾، بكى أصحاب الصُـفّة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خنينهم– أي شدة بكائهم– بكى معهم فبكينا لبكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لمْ تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم». (رواه البيهقي).

وأمر صلى الله عليه وسلم بالبكاء عند قراءة القرآن والتباكي – أي تكلف البكاء-، فقال: «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (رواه ابن ماجة بإسناد جيد)، فباستثارة الدموع ربما نستثير القلب فنحركه فيلين لذكر الله. ولا يمنع التأثر إلا الغفلة التي هي نقيض الذكر؛ وذكر الله هو الذي يوقظ القلوب ويحثها على الاستجابة لآيات الله تعالى.

جاء في الصحيحين: «إن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع».

وإليك شرح الإمام ابن قيم الجوزية- رحمه الله- لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:37]، حيث يقول: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه – أي اقرأه وكأنه يتنزل عليك- فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله». فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ هذا هو المؤثر. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله. وقوله: ﴿أََوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب».

ويضيف قائلا: «فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووُجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر». (من كتاب الفوائد)

قال الإمام النووي- رحمه الله – : «البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين». وتلك كانت صفة الأنبياء عليهم السلام، حيث يذكرهم تعالى مُثنيا عليهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:58].

وهي صفة “عباد الرحمن“، حيث يثني تعالى عليهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:73].
وصفة الصحابة رضوان الله عنهم، حيث عُرف سيدُنا أبو بكر رضي الله عنه بشدة تأثره وبكائه، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمره في مرض موته أن يصليَ بالناس: “إنه رجل أسيف” – أي لا يتمالك نفسه من البكاء-.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بالناس فيقرأ الآية فينقطع عن القراءة لغلبة البكاء، فعن هشام بن الحسن قال: «كان عمر يمر بالآية فتخنقه، فيبكي حتى يسقط، ثم يلزَم بيتَه حتى يُعاد يحسبونه مريضا». وكان يقرأ في خطبة الجمعة: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ – حتى يبلغَ- ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ فينقطع من البكاء.

وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قرأ يوما ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فبكى حتى خرّ وامتنع من قراءة ما بعده. وعن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه صلى بـِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ حتى بلغ ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فبكى بكاء طويلا وجعل يرددها ويبكي.

وليس التأثر والبكاء هما المقصد والغاية؛ إنما يدلان على رقة القلب وعلى توقير كلام الله وخشيته تعالى والتي لابد أن يتبعَها طاعة وخضوع له جل وعلا بما يأمرنا به وينهانا عنه، وهو يدعونا لما فيه خيرنا وسلامتنا.

يقول جل جلاله مؤنبا عباده المؤمنين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:16]. فأولى بي وبك أن نجيب: بلى يا ربّـنا قد آن !

فطول الإعراض عن ذكر الله وترك التدبر في آياته يكون مدعاةً لقسوة القلب، فتصبح كالحجارة أو أشدَّ قسوة كما يصفها الله تعالى في بني إسرائيل:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:74].

وإن كان مضرب المثل عن القلب القاسي بالحجر، فإن الله تعالى يستثني منها ما يتفجر منه الأنهار وما يتشقق فيخرج منه الماء وما يهبط من خشيته تعالى، وهذا أمر مشاهد.
ثم يذكر الله ما هو أشد صلابة وقسوة وهي الجبال، حيث يقول جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:21].

فـتفكرك في هذه الأمثال لابد أن يشعرك بالحياء منه سبحانه وتعالى وأنت تستمع لحديثه عن النار وعن الآخرة وعن الحساب، ولا يرقّ قلبك ولا يتصدّع وجلا وخوفا منه تعالى! وما يمنع تأثرَك بالقرآن الكريم هو نقص علمك به سبحانه، وعلمك به هو الذي يُورث الحياء ويورث الخشية منه تعالى الله.

وكلما ازداد المؤمن علما بالله وبدينه ازداد إيمانا وخشوعا وخضوعا له سبحانه. أما عكسُ ذلك فينتج عنه الهجر والإعراض عن آيات الله، وهذا ما لم يسلم منه المسلمون اليوم ومنذ عهد بعيد، وقد تكون واقعا فيه أيضا.

هـجــر القـرآن
هو ذاك الذي أسف له رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الأسف، فاشتكى لربه قائلا: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:30].

ومعنى هجرِ القرآن هو الإعراض عنه وعدم سماعه، ورفض الانقياد لأحكامه والعمل بما جاء فيه. وقد صنف ابن القيم – رحمه الله- أنواعا من الهجر، فذكر:

1- هجرَ سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
2- هجرَ العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
3- هجرَ تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.
4- هجرَ تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلمُ به منه.
5- هجرَ الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها فيَطلب شفاء دائه من غيره.

ومما لا شك فيه أن هجرَنا نحن المسلمين اليوم داخل في هذه الأنواع، وإن كان بعضُها- كما قال ابن القيم- أهون من بعض.

فإن كان هجر الكافر من قبيل ما جاء في سورة فصلت: ﴿حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [1-5].

وفي موضع آخر من السورة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [26].

فهؤلاء قد أعرضوا بأشد ما يكون من الإعراض وأقبحه، والله يقضي في شأنهم بقوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا . مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:99-100].

فإن كان هجرنا ليس من هذا الصنف – نسأل الله العافية – فالأمر الأكيد أننا قد هجرناه هجرَ تدبر وتفهّم وهجرنا تحكيمَه والتحاكمَ إليه في شؤون حياتنا والعملَ به.

فتعاملُ عامةِ المسلمين مع القرآن منذ عهد بعيد هو تعامل سطحي لا يعدو أن يكون أشكالا ومظاهر لا تمت إلى روح القرآن بصلة وما أُنزل من أجله. فالمتفشي في أوساط المسلمين اتخاذهم من بعض آيات القرآن أو من قصار السور لوحات يعلقونها على جدران بيوتهم أو مكاتبهم أو محلاتهم للزينة، وليس غريبا أن يُتحرى من صانع تلك اللوحات ومن المشتري آية الكرسي والمعوذتين والفاتحة لما يرجى فيها من التحصّن والتحرّز من الشيطان والعين والحسد؛ مع العلم أن المطلوب قراءتها- كما أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا تعليقها على الجدران!

وأسوق لك مقتطفا من كتاب الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله- “كيف نتعامل مع القرآن“، يقول فيه: «لابد من جعل القرآن يتحول في حياتنا إلى طاقات متحركة.. أما أن يوضع في المتاحف أو المكاتب للبركة، أو أن نفتح المصحف ونقرأ آية أو آيات وينتهي الأمر؛ هذا لا يجوز».

كذلك من مظاهر هجر التدبر أيضا سماعه من الأشرطة أو الأقراص ونحن مشغولون أو منشغلون بأمر آخر، فيُعدم التوقير لكلام الله تعالى ويعدم الاستماع والإنصات الذي أمر به الله عز وجل في كتابه، حيث يقول جل من قائل:﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:204]. قال الشيخ الشعراوي- رحمه الله- في معنى هذه الآية: “الاستماع فيه تعمّد أن تسمع عكس السماع، والإنصات لتأخذ العبر”. وقيل: “إن الإنصات يساعد العقل على التدبر والقلب على التأثر وكلاهما يساعد الإرادة على التوجه”.

ثم من شكليات التعامل مع القرآن الكريم افتتاح جلساتنا وملتقياتنا بآيات من الذكر الحكيم، وإن كان في ذلك دلالة على حسن التوقير لكتاب الله، إلا أن تحري ذكره تعالى فيما نقول بصدق القول والأمانة في العلم وقصد النفع والنصيحة للمسلمين أولى وأجدر. ومثله ما نراه في محلات البيع حيث يفتتح التاجر يومه بتلاوة مسجلة لسور القرآن الكريم، ولا ندري إن كان يتورع أوجه الحلال فيما يبيع ويشتري تفاعلا واستجابة مع ما يستمع إليه من الذكر؟

وكل من يتطلب عمله تعاملا مع العامة، كسائقو سيارات الأجرة – وأخصهم بالذكر لخصوصية عملهم وعدم خلوتهم بأنفسهم إلا قليلا- فمع ما في الاستماع إلى القرآن من نفع وخير وشرف للمستمع إليه إلا أنهم يجعلون ما بينهم وبين زبائنهم حجابا فلا يكلمونهم ولا يستمعون إليهم.

ولقد كانت أكثر قراءة الصحابة والتابعين والصالحين من العلماء ليلا عند سكون النفس وقلة الملهيات مما يشغل المرء في النهار.

أما نحن فقد طغت علينا متطلبات الحياة الدنيا وأضنانا الركوض وراء لقمة العيش حتى ما عاد أكثرنا يتفرغ لقراءة القرآن ليلا أو نهارا. وقد نكتفي بقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ونقبل أكثر على القرآن قراءة من المصحف في شهر رمضان فإذا انقضى الشهر أعدناه سيرته الأولى!

هذا وناهيك عما يجد بعض المسلمين من الحرج في نفوسهم تجاه كتاب الله، فلا يحتكمون لأمر الله في بعض شؤون حياتهم، والله تعالى يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65].

فالمؤمن الحق هو الذي يقول سمعت وأطعت، كما تنوه إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:51]. فكل ما قضى به الله ورسوله أمرا ونهيا يستوجب منا الطاعة والسماع، وهو الهدف المرجو من التلاوة.

يقول ابن القيم– رحمه الله- في “مفتاح دار السعادة”: «فحقيقة التلاوة هي التلاوة المطلقة التامة وهي تلاوة اللفظ والمعنى، فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة، وحقيقة اللفظ إنما هي الإتباع يقال: اتلُ أثر فلان وتلوت أثره وقفوته وقصصته بمعنى تبعت خلفه»،

ويضيف: «والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتّباعه تصديقا بخبره وائتمارا بأمره وانتهاء بنهيه وائتماما به حيث ما قادك انقدت معه. فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء والآخرة فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقا».

وفي الأثر عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت عبد الله بن عمر– رضي الله عنه – يقول: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدَنا ليؤتى الإيمانَ قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه». (أخرجه البيهقي في سننه).

وقال ابن مسعود – رضي الله عنه-: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن، لم يجاوزْهنّ حتى يعرف معانيهن».

فلنحذر أن يكون شأننا مع القرآن كما كان شأن اليهود مع التوراة، حيث يقول الله تعالى فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:5].

ولنستمع لهذا التحذير الشديد من الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:21-23].

فالله يصرف عن آياته من طال إعراضه عنها تدبرا وعملا، ويمنع النور- نور الهدى والحكمة – أن يدخل قلب من كان غافلا ساهيا متكبرا، فلا نكون من هؤلاء بل من أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:121].

ومن حديث عبيدة المكي مرفوعا وموقوفا: «يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وأفشوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون».

تـدبـــر القـرآن
يقول تعالى عن كتابه الحكيم: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص:29]. ويقول جل من قائل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:82]. ويقول جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24].

قال الدكتور يوسف القرضاوي في معنى التدبر أنه النظر في أدبار الأمور أي في عواقبها ومآلاتها، وهو قريب من التفكر، إلا أن الفكرَ تصرفُ القلب أو العقل بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب.

ومن حديث الصحابة رضوان الله عليهم، عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهّم، ولا قراءة ليس فيها تدبر». وقال ابن عباس رضي الله عنه: «لأن أقرأ (إذا زلزلت) و(القارعة) أتدبرُهما، أحبّ إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا».

فإذا نظرنا في قراءتنا للقرآن وجدناها قراءةً بلا تدبر، وهذا ما جعل الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- يدعو المسلمين إلى التدبر، فيقول: «لابد من قراءة القرآن قراءة متدبرة واعية تُفهم الجملة فيها فهما دقيقا، ويَبذل كل امرئ ما يستطيع لوعي معناها وإدراك مقاصدها، فإن عزّ عليه سأل أهلَ الذكر».

ويضيف قائلا: «والمدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار.. ومعنى مدارسة القرآن القراءة والفهم والتدبر والتبيّن لسنن الله في الأنفس والآفاق، ومقومات الشهود الحضاري، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود».

فإذا سألنا ما الذي يعجزنا عن تدبر القرآن؟ ولماذا أشكل علينا فهمه؟ ولماذا لا نرى ضرورة أن نجتهد في فهمه والتفكر في معانيه؟ وجدنا أن أول عائق يوضع أمام القارئ لأي كتاب هو عائق اللغة، فإن لم يكن قد تعلم اللغة التي أُلّف بها الكتاب أو كان تمكنه منها ضعيفا، فإنه لن يفهم ولن يستوعب ما فيه من معاني وإن استطاع قراءة كلماته.

والقرآن الكريم هو كتاب عربي، أنزله الله تعالى على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بلسان قومه، لذلك كان فهمهم له أيسر من فهمنا نحن. وإن طغيان اللغات الأجنبية بسبب الاستعمار ثم بسبب امتلاك الغرب زمام العلم والتكنولوجيا جعل المسلمون أغلبهم يتخلون عن اللغة العربية وهذا الأمر خلق هوة كبيرة بينهم وبين كتابهم فأبعدهم عن دينهم. نرى هذا في الأجيال القريبة من عهد الاستعمار ولكن أيضا في الأجيال المتأخرة التي لم تُدرَّس اللغة العربية على أنها لغة القرآن لا محيص من تعلمها لفهم كتاب الله تعالى.

ولا يليق بالمسلم أن يقرأ القرآن بلغة أجنبية لا تعدو أن تكون ترجمة للمعاني كما فهمها المترجم، وغيرُ المسلمين ممن يدخلون الإسلام يتعلمونها ليس فقط لأداء العبادات ولكن لقراءة القرآن وفهم معانيه. يقول الشيخ محمد الغزالي-رحمه الله-: «إن العبادة في الإسلام تشمل العلم والعمل جميعا، فليس هناك لغة للعلم وأخرى للعبادة».

ثم نحن ندعي صعوبة القرآن، والله تعالى يقول في أكثر من موضع: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:17]، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:58]. فدعوى الصعوبة تأتي أيضا من هذا الجانب جانب اللغة.

فإن كانت قراءة القرآن تُتخذ للتعبد، وهي أفضل العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن»، فإن الغاية منها إنما هو العمل، والذي يعيقنا اليوم عن الاجتهاد في تدبر القرآن الكريم هو حرج نجده إزاء آيات الله وتشكك وإن لم يكن بواحا في أمر صلاحيتها، مع ترديدنا لمقولة أنه صالح لكل زمان ومكان – وقال أحد الشيوخ: إنه مصلح لكل زمان ومكان-.

تؤكد ذلك آيات كثيرة من كتاب الله العزيز، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:89]، وقوله معاتبا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف:54]، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر:27].

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن مؤْثِراً. فإن فيه علم الأولين والآخرين، ألم تسمعوا قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء». قال الإمام الشافعي- رحمه الله -: «ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيه».

فإذا صدقنا العزم مع الله تعالى وإذا صدق إيماننا به وبكتابه الذي وعد بحفظه بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلابد أن يقبل كل فرد منا على قراءته وتدبره كأنما عليه نزّل، وقد كان الفيلسوف المفكر محمد إقبال– رحمه الله- يقرؤه لسنوات بعد صلاة الصبح، وأبوه يسأله في كل يوم ماذا يفعل، فيجيبه بأنه يقرأ القرآن، فاستغرب سؤال أبيه وإعادته عليه وهو يعيد عليه نفس الجواب فلما سأله في ذلك، قال له: «إنما أردت أن أقول لك: يا ولدي اقرأ القرآن كأنما نُزّل عليك»، قال: «ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه فكان من أنواره ما اقتبست ومن درره ما نظمت». ولقد وصلتنا تلك الأنوار وتلك الدرر مع ما ترك من آثار رحمه الله تعالى.

وحتى نبلغ هذا الشأو العظيم وتتحققَ لنا هذه الغايةُ الجليلة لابد لنا أن نطبق بعض الأمور المساعدة على التدبر؛ منها القراءة المتأنية؛ وهو ما يراد بالترتيل الذي أمر به الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام وأمته حيث قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل:4]. فالترتيل هو التأني والتمهل وتبيين الحروف والحركات.

وقد قيل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أنس- رضي الله عنه- أنها: «كانت مدا. ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد “الله” ويمد “الرحمن” ويمد “الرحيم“» (رواه البخاري).

وعن ابن مسعود- رضي الله عنه – ، قال: «لا تنثروه نثر الدَّقَل- أي رديء التمر- ولا تهذّوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب ولا يكن همَّ أحدكم آخرُ السورة».

وقال العلماء: إن قراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك زمنا بلا ترتيل، وقال أحد الأئمة: إن ثواب قراءة الترتيل أجلّ قدرا وثواب الكثرة أكثر عددا، لأن بكل حرف عشر حسنات. وقالوا: واستحباب الترتيل للتدبر. فالمقصود من الترتيل إنما هو التدبر ولذلك رُغّب فيه ونُهي عن الإفراط في السرعة، وقيل إنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، فهو مستحب حتى للأعجمي الذي لا يفهم معناه.

كذلك مما يوصى به في القراءة التغني بالقرآن؛ ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». ويُقصد به تحسين الصوت ما استطعت، ولقد كان أبو موسى رضي الله عنه حسن الصوت فلما علم باستماع رسول الله صلى الله عليه وسلم له قال: «لو أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا – أي حسنته لك تحسينا – ».

كذلك لابد أن يستجمع القارئ للقرآن فكره وقلبه، ويُستحسن الخلوة أو الابتعاد عن كل ما يذهله عن القراءة ويمنع تركيزَه فيها، وقد كان دأب الصحابة رضوان الله عنهم والصالحين القراءة ليلا لحصول المراد من السكون والهدوء النفسي.

ومن لوازم القراءة وبلوغ الغاية من الفهم الاستعانة بقواميس اللغة لشرح الألفاظ وبكتب التفسير لشرح المعاني، وقد أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمر قال: «من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات»، يقول الإمام السيوطي– رحمه الله – في “الإتقان”: «والمراد بإعرابه معرفة معاني ألفاظه وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النحاة وهو يقابل اللحن، لأن القراءة مع فقده ليست قراءة ولا ثواب فيها».

والإقبال على تفسير المتقدمين والمتأخرين من العلماء، وتفسير المعاصرين أفضل لأنهم أقرب فهما واستنباطا للمعاني والعبر المتعلقة بزماننا وبمستجداته، والاستماع إلى دروسهم ومحاضراتهم التي يكون فيها شرح لآيات القرآن الكريم وتناول لموضوعاته.

ومن موضوعات القرآن الكريم الأمثال والقصص وهي غزيرة النفع جليلة الفائدة بما تحمله من المواعظ والحكم والدروس والعبر، وقد أُفردت فيها كتب يَحسن بكل امرئ مسلم قراءتها للاستعانة بها على فهم المقصود من ضرب الله تعالى للأمثال وقَصّه القصص.

فعن الغاية من ضرب الأمثال يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:21]. ويقول رسوله عليه الصلاة والسلام: «إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال». وقال الماوردي: «من أعظم علم القرآن علم أمثاله والناس في غفلة عنه». وقيل : «إن ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير والوعظ والحث والزجر والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس».

وأما القصص، مما يرويه لنا المولى عز وجل من قصص الأنبياء والأمم السابقة والملوك، يقول تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:176]؛ فالغاية هي التفكر والتدبر.

وحبذا لو يهتم المسلمون بهذا العمل الشريف الجليل وأن تُرصد له المدارس وتنتشر في بلاد المسلمين كما انتشرت مدارس تحفيظ القرآن، فنحن بحاجة إلى حفظه وإلى تدبره أيضا؛ بما يعيننا على ذلك كله من وسائل التربية والتعليم والإعلام.

فرجائي وغاية أمنيتي أن تُنشأ مدارس تعلّم الناس كيف يتدبرون القرآن الكريم، ويخرّج منها أجيال من الفاهمين للقرآن – كما خرجت مدارس تحفيظ القرآن أجيالا من الحفظة-؛ ينشرون معانيه في العالم فيكونون مصابيح تنير الطريق للمسلمين وغير المسلمين؛ علّها تفتح بابا للعمل بكتاب الله العزيز الذي أضنانا البعد عنه.

ولنفس الهدف تُنشأ برامج على القنوات الفضائية الإسلامية. وعلماؤنا وشيوخنا ودعاتنا ممن يصلحون لهذه المهمة كُثُـر.
وفقني الله وإياكم لحسن التدبر لكتاب الله تعالى والفهم عنه ببركة هذا الشهر الكريم.