تـقديـم

إن أروع ما فتن قلب الإنسان ذلك الجمال الأخاذ في الطبيعة التي تعرض محاسنها بسخاء، ولا يملك إلا أن يقف أمامها منبهرا وقد اخترقت روعة مناظرها روحه ونشرت بين جنباته بهجة وسرورا، وراحة وسكينة.

إنه إحساس كامن في الإنسان ذلك الذي يجعله يسر لرؤية ما هو جميل. فمن ذا الذي لا يسره منظر الأزهار بألوانها الساحرة ! ومن ذا الذي لا يسره منظر الأشجار بخضرتها البهية الناضرة ! ومن ذا الذي لا يسره منظر الأنهار بمياهها العذبة الجارية !

لقد ألهمت بجمالها الفنانين ـ على مدى العصور والأزمنة ـ فرسموا أروع اللوحات ونظموا أعذب الأشعار وكتبوا أجمل النصوص. ولكم غزا جمالها من أرواح فامتلأت به جمالا وأنتجت جمالا وأبدعت في عوالم كثيرة مادية ومعنوية !

إن الإنسان عندما يلجأ إلى الطبيعة ليستريح في كنفها ويملأ عينيه بنورها الساطع وألوانها البراقة وأشكالها البديعة، يغمر قلبه أحاسيس فياضة من الحب والإعجاب، والنشوة والفرح.

فإذا فتح لها بابا أوسع غدّت روحه وأنمت فكره وأوسعت خياله بما تلقيه في روعه من الدروس والحكم. وإن ألقى إليها سمعه حدثته حديث العقلاء والنبهاء، حتى الورقة وهي تسقط برشاقة على الأرض، والعصفورة وهي تغرد فوق غصن الشجر، والزهرة وهي تتمايل بلطف مع النسيم العليل!

إن المولى عز وجل الذي ما خلق شيئا سدى لم يخلق الجمال عبثا وإن بدا أنه زينة ظاهرة وزخرف الدنيا. فلا يجعل الإنسان من الطبيعة ملجأ للتنزه والترويح عن النفس ودفع التعب والملل عنها، لأن فيها من الفضائل والفوائد أكثر من ذلك وأجلّ.

فإذا كنا نأخذ منها ما نزيّن به ظاهرنا، فكيف لا نأخذ منها ما نزين به باطننا؟ أليست مصدر لباسنا وحلينا وزينة مساكننا، فلماذا لا يكون فيها أيضا ما نلبس به باطننا بلباس من الزينة والتقوى؟

إن الإنسان ليصيبه الخجل إذا ما كان يرتدي ثوبا رثا وسط جمع من الناس قد تأنقوا في ملبسهم. فكيف لا يحس بالحرج وهو يعيش وسط
الطبيعة بصورها الجميلة وأصواتها الشجية خبيث القلب فاحش اللسان؟

إن الخالق جل وعلا قد زين لنا السماء فجعل فيها كواكب نيرة وبروجا، وزين لنا الأرض فأنبت فيها حدائق بهيجة ومروجا؛ ودعانا لتزيين ظاهرنا وباطننا جميعا.

أنار لنا الكون بضياء الشمس وبدد لنا ظلمة الليل بنور القمر؛ وألهمنا النور وأوحى به إلينا وهدانا إليه.

وأحيا لنا الأرض حين أنزل عليها الماء فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج؛ وأمرنا بإحياء قلوبنا بماء الوحي الصافي الزلال لكي تعطي أكلها وثمارها من الفضائل والمحاسن.

لقد أحسن كل شيء خلقه وأمرنا بالإحسان في كل أمور حياتنا. وجعل لنا فيما خلق في الأرض وفي السماء معالم تدلنا على الإحسان، وتدعونا إلى تجميل نفوسنا وتزيين أعمالنا وإنارتها بنور العلم والإيمان.

وأتقن جل وعلا صنع كل شيء ودعانا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام إلى الإتقان فيما نأتي من أعمال؛ فلا نقدمها للناس إلا في هيئة مكتملة صالحة جميلة.

فأكبر الدروس التي تعلمنا إياها الطبيعة والكون من حولنا بل خالقها وبارئها ومبدع الجمال فيها: تجميل الظاهر منا والباطن والإحسان في القول والفعل.

إنه موضوع شيق جميل محبب للقلوب عميق الأثر في النفوس هذا الذي أحببت الإمعان فيه منذ أن وقفت يوما أتأمل حبة الفاكهة وأتعجب من لونها الجذاب وشكلها البديع! فوجدتني أتساءل في نفسي: لماذا خلقت بهذا الجمال وهي إنما خلقت لقوت أبداننا؛ لكأنها غداء للروح والبدن معا؟!

وانجذبت روحي لهذه الثنائية العجيبة فرُحت أنظر في آيات الله المقروءة وآياته المشهودة وساحت نفسي بين روائع وجماليات الخلق أراها بعيني وأتحسسها بروحي. فجاءت هذه الكتابة التي هي جملة ما خلص إليه خاطري من فهم وإدراك متواضع لهذا المعنى الواسع الجليل، جلال خالقه وسعة حكمته سبحانه.

خطاب الطبيعة إلى الروح

عندما يقف الإنسان متأملا في أوجه الطبيعة ومشاهدها الخلابة البديعة:

عندما يفتح عينيه صباح كل يوم ليرى إشراقة الشمس وقد أضاءت الكون، كاشفة عن نهار نيّر باسم بعد أن نزعت عنه رداءه الأسود لتلبسه ثوب البهجة والنور والحياة.

عندما يقف متأملا طلوعها رويدا رويدا في الأفق البعيد وهي تبدل لونا بعد لون. أو يرقب غروبها ليملأ عينيه بجمال منظرها وهي تغيب في الأفق تاركة شيئا من أنوارها وألوانها فيه!

عندما يبعث ببصره نحو تلك الأشجار الباسقات ليرى اخضرارها البهيّ، ويعلـّق فؤاده بأغصانها الممتدة نحو السماء وكأنها في مناجاة!
عندما يتمعن في تلك الورود و الأزهار الساحرات فيبهره حسنها وكأنما خلقت لتكون بسمة الدنيا!

عندما يتأمل هدوء البحر، أو يغوص في أعماقه فيرى عجبا في تلك الأسماك الراقصات وهي تغيّر من ألوانها وتموّه لتراوغ العدو الذي جاء يترصّدها!

عندما تهيم نفسه بين كثبان الرمال الذهبية في عمق الصحراء، لتجد في تلك الطبيعة القاحلة سحرا وجمالا لاحد له!

عندما يبلغ سمعه تغريد الطيور من فوق أغضان الشجر، فتهتز نفسه طربا لترنيمتها الشجية وهي تغني لحن الحب والحياة!

عندما يسمع خرير الماء وهو يجري نحو البحر ويرى تدفقه صافيا من عل فلا يطيق بعدا عنه أو إعراضا لما يثيره في نفسه من شعور بالانتعاش!

عندما ينظر إلى القمر المستنير في كبد السماء وقد سطع ليبدد بعض الظلمة عن وجه الأرض، ويبعث ببريقه اللامع على صفحة الماء الرقراق فيصير نقاطه نجوما كأنها تحاكي نجوم السماء!

عندما يتجلى له فصل الربيع بأنواره الباسمة وكأنما أشعلت فيه المصابيح ولبست فيه الدنيا أبهى حللها وتزينت كأنها العروس يوم زفافها!
عندما يرى صور الطبيعة ويسمع أصواتها يخاطب بعضها بعضا، أليست تخاطبه أيضا، وهي التي خلقت له ومن أجله؟ تخاطب روحه وقلبه وعقله؛ متكلمة وصامتة، متحركة وجامدة، لا تسأم التعبير عن نفسها في كل مكان وزمان!

إن الجمال ليس صفة مادية في الأشياء، بل له معنى روحي أيضا. إن الفنان عندما يصور منظرا من مناظر الطبيعة على لوحته، ليست لوحته حاملة لصورة مادية فحسب بل تحمل أيضا أحاسيسه وانفعالاته وخلجات نفسه. كذلك الأشياء التي نراها ونلمسها في الطبيعة؛ فيها روح وحياة.

إن ما في الطبيعة من جمال في الشكل وإبداع في اللون وتسوية في الخلق وإتقان في الصنع وميزان في الأشياء وخصوبة في العدد؛ كل ذلك يثير حواسنا كي يجعل منها قنوات يبث خلالها رسائله إلى الروح.

ثم هي تعطي كل روح بقـَدرها من النور والجمال؛ وإنما هي الفطرة المغروسة بداخلنا التي معدنها النور ومركبها الفضيلة، التي تتحرك مع تلك المشاهد وتلك العبر.

إن الطبيعة فيها من الخصوبة والغنى بحيث أمدت الإنسان بما جعله مادة للباسه وزينته وحليته، وأغدقت عليه ما لا حصر له من أنواع الغداء الذي يحفظ له صحته ورواءه، ومن الدواء ما يسترجع به ما قد يفقده منهما.

وليس غناها فيما تسديه لنا من حاجيات بدننا فحسب؛ إنها تسدي لنا تعاليم روحية أيضا بما تنطق به صورها ومناظرها من آيات جمالية وروحية.

إنها منبع من منابع الحكمة ومدرسة حية نتلقى فيها التربية الجمالية والخلقية. إن فيها من السمو والتعالي، والتألق والتأنق ما يدعونا إلى التسامي بروحنا وعقلنا، والتأنق في هيئتنا وسيرتنا.

إنها تدعو الفنان الذي يسكن بداخل كل واحد منا لأن يبدع ويتفنن في ذاته ومع ذاته. وإنها المعلـّم الذي يصحح أخطاءنا ويسوّي اعوجاجنا ويصوّب انحرافنا عن الطبيعة الصحيحة والفطرة السليمة.

إنها معرض للفنون الجميلة مدعوة إليه جميع الناس، لا الخاصة منهم فقط من أهل الفن والمتذوقين له؛ تدعو كل ذي عين ناظرة وقلب متفتح يقظ لأن يتأمل في مناظرها ويستقرئ خطاباتها.

إن النبتة فيها والزهرة والشجرة والثمرة قد حملها البارىء جل وعلا رسائل إلى الخلق قد يقرؤها العالم قراءة علمية والفنان قراءة فنية وهي فوق ذلك تحمل معاني فلسفية وروحية. فإن كانت تحمل في سجلها خصائص منبتها ومنشئها وصفاتها من شكل ولون، ففيها أيضا حكما ودروسا هي الأحرى باستجاشة النفوس وتحريك الأذهان !

إن ابتعاد الإنسان عن الطبيعة جعله يبتعد عن سجيته، ودخوله في غمرة الحياة قد عقد تفكيره، وتشابك العلاقات الإنسانية قد سلبه هدوء البال وراحة النفس التي كان يجدها في كنف عائلته وبين أصدقائه ضمن إطار ضيق وهادئ.

لقد غلبت عليه الحياة المادية وأخضعته لاحتياجات بدنه التي لا تنتهي، حتى ما عاد ينتبه إلى إشراقة الشمس التي قد اعتاد على شروقها، ولا يغريه جمال الزهور بالنظر إليها وملامستها، ولا يشد سمعه صوت الطيور وترنمها!

إن الإحساس بالجمال إحساس علويّ سام، لا يكاد يستشعره المرء حتى يشعر بارتقاء في نفسه وتجرد عن عالم المادة الذي كان يقيّد حريته، ويُلجم أفكاره وأحاسيسه.

فإن كانت الحياة قد تغيرت بفعل تغير أنظمة الحياة الإنسانية فحقيـق بالإنســان ـ أكثر من ذي قبل ـ أن يعود إلى الطبيعة بين الفينة والفينة ليسترجع عفويته وطبيعته، وينزع عنه ثوب البهرجة والزيف الذي ألبسته إياه المدنية الحديثة.

وإذا ضاقت عليه نفسه يوما وأحس أن قد أضاعها بين أوراقه وحساباته فربما وجدها أن هو سلك طريقا نحو الطبيعة الرحبة حيث النور والضياء، والخضرة والماء!

هناك، فليطلق العنان لروحه تسافر في أرجاء الكون وتجول في كل مكان لتعود إليه بالخطب والرسائل كما يعود السائح بالصور التذكارية والرموز الثقافية للبلد التي كان يزورها!

وبعفوية الطفل، فليتركها تطير مع الطير وتغرد معه، وتسبح مع السمك وتراقصه، وتعدو مع الغزال وتسابقه، وتبتسم للفراش وتلاحقه، وتعلو مع الشجر وترقى فيه، وتغازل الزهر وتنافسه في جماله.

والطبيعة تأخذ منا الأحاسيس والمشاعر، وتعطينا الدروس والعبر. وبقدر سعة أحاسيسنا وعمقها تكون سعة الدروس التي تلقيها علينا الطبيعة وعمقها.

إننا وسط ذلك التناسق الجميل والنظام الخارق والاستواء المعجب والتنوع الخلاق لابد أن نحس انسجاما بيننا وبينها، فإذا أحسسنا بالاضطراب فلنسارع إلى تسوية نفوسنا وإعادة النظر في أحاسيسنا وأفكارنا.

فإذا نظرنا إلى صفاء مياهها فلنجعل مثله في نفوسنا صفاء سريرة ونقاوة صدر.

وإذا نظرنا إلى سعة سمائها فليتسع ما بداخلنا بالحب لجميع الناس والرحمة لهم.

وإذا نظرنا إلى سخاء أرضها بما تخرجه من حب ونبات وشجر وثمر، وورد زاهر مؤنق، فلنكن مثلها كرما وسخاء بما نمد به غيرنا من أسباب المعونة والعطاء.

ولا يجوز لنا أن نتعلل بصعوبة الحياة وقساوة الظروف؛ فثمة من الأزهار ما يخرج من بين أكوام الثلج ومنها ما ينبت وسط الصخور، لم تمنعها قسوة الوسط الذي تحيا فيه من أن تتفتح بالحياة والأمل والجمال الأخاذ!

ولأن الطبيعة جميلة في كل وقت لا تفتقد صبغتها الجمالية مهما تغير الطقس وتداولت عليها الفصول، كذلك لابد للإنسان أن يحرص على ألا تفقده الظروف القاسية من حوله وتنتزع منه ما بداخله من طيبة وخير وجمال.

يجب أن نحفظ ولو قدرا يسيرا من الجمال في نفوسنا؛ نزيد عليه ولا ننقص من أسباب الزينة النفسية والعقلية والخلقية من علم وثقافة، وحسن مجالسة، ومن أعمال البر والخير. فما من أمر من هذه الأمور قليلها أو كثيرها إلا ويضفي على النفس جمالا وبهاء.

قد يضعف فينا العزم عن تجميل نفوسنا مرة أو مرات لعارض يعترض حياتنا. لابد حينئذ أن نلجأ إلى الطبيعة لنرى رواءها الدائم ونضارتها التي لا تستحيل في فصل من الفصول إلا لتعود بعده أكثر سحرا وجاذبية.

إن الثوب يعود ناضرا بهيا بعدما شحب لونه من تراكم الأوساخ عليه، بمجرد أن يغسل بالماء. وإن الأدوات التي نسترجع بها جمالنا الباطن أقل كلفة من تلك التي نصنع بها جمال ظاهرنا. فتوبة من فعل قبيح وصدقة نغالب بها جشع النفس وابتسامة في وجه محزون تكفي لأن تنشر في أرجاء الروح الصفاء والبهاء.

إن بهجة الشباب لابد أن تزول مهما سعى إليه الإنسان من تخضيب لشعره المبيض، أو محاولة لتأخير ظهور التجاعيد في وجهه بالمراهم والأدوية.

لكن ما ليس يصيبه الشيب هي الروح التي تسكن داخله إذا ما تعهدها بأسباب الزينة الروحية والنفسية. ولا يزال يتقدم به السن ليبلغ به أرذل العمر، وروحه لا تزداد إلا ازدهارا وعقله نورا؛ فإذا انحنى على أحفاده الصغار يروي لهم الحكايا ويعلمهم مما علمته الحياة، كان كل غضن من غضونه ينطوي على درس وحكمة!

إن الاستحضار الدائم لصور الجمال يعلي في النفس معاني الجمال الروحي ويربي فينا الذوق والشعور. فإذا ألفنا النظر إلى ما هو جميل لابد أن تشمئز نفوسنا وتنفر أشد النفور من قبيح الأشياء والصور.

وقدر ما نتمرن على الاستحسان وتقصي الجمال في الأشياء، سوف يكسبنا ذلك ترفعا على سفاسف الأمور، وتنزها بالسمع والبصر عن كل ماهو فاحش قبيح من قول أو عمل.

حدائق ذات بهجة

إن باطن الإنسان حديقة؛ هي حديقته التي يغرس فيها ما يشاء من الأخلاق والصفات متحليا بأوصاف الطبيعة مستدلا بدلائلها، أو متنكرا لها نائيا بجنبه عنها.

فليغرس فيها الحب إن أراد أو ليغرس فيها الغل والحقد. ليغرس فيها الصدق أو ليغرس فيها النفاق والكذب. ليغرس فيها الكرم أو ليغرس فيها الطمع والجشع.

وسوف تصطبغ بما يغلب عليها من ألوان؛ إما زاهية فاتحة أو داكنة قاتمة. ستكون على الصورة التي اخترناها لها؛ إما متفتحة مزهرة كورود الربيع، أو ذابلة ناصلة كأوراق الخريف!

وليكن كل منا كما يريد وليختر لنفسه الطراز الذي يريده كما يختار لهيئته طرازا خاصا من بين أصناف اللباس. وسوف يستحسنه الناس بقدر ما يجعل في ثوبه الظاهر والباطن كليهما من حسن وجمال وأناقة.

والناس على طرز مختلفة ومساعي شتى حسب ما تنزع إليه طبائعهم وتقضي به نفوسهم.

فمنهم من يستهويه مد يد العون للناس والسعي في حاجاتهم والتخفيف من أعبائهم بما يسنح له من أمور مادية ومعنوية، يفعل ونفسه مزهوة بذلك ووجهه مبتسم.

ومنهم من يبتغي ملاطفة الناس والتودد إليهم بالكلمة الطيبة والقول الحسن، والتسلية عما في نفوسهم من ضيق وكمد فتراه مداعبا ممازحا، دائم البشر.

ومنهم من يرضيه أن يعطي من ماله وطعامه وكسوته لمن كان محتاجا أو فقيرا، تجده في بحث دائم عن مثل هؤلاء ويفرحه لجوؤهم إليه.
ومنهم من يبهجه أن يبث في عقولهم حكمة ويزرع في قلوبهم علما وهداية.

ولعمري إنها لنفوس جميلة تستبشر بأعمال البر والخير وتسارع إليها كمن يستبشر بقدوم الربيع ويسارع إلى استقباله بالانبساط والفرح !

إننا عندما نكون إزاء صورة من تلك الصور الإنسانية، يغمرنا إحساس دافىء وغزير بالجمال ! فما يزخر به عالم الفضائل وجماليات النفس من تواضع وإيثار وصدق وأمانة وعفو وتسامح وسخاء وكرم وعدل وإحسان، يعادل صور الطبيعة إشراقا وجمالا وتنوعا كريما.

فما أجملها من نفس تلك التي تزدان بصفة من تلك الصفات، وما أروعها من نفس التي تجتمع فيها كل هاتيك الحُسنيات!

وما أقبحها من يكون صاحبها على عكس تلك الصفات الجميلة والأخلاق الحسنة وشتان بينهما!

شتان بين من يزرع الورد بالقول الحسن والفعل الخيّر الجميل ومن يزرع الشوك يؤذي به غيره ونفسه. شتان بين من يقذف النور في القلوب بالعلم النافع والنصيحة الطيبة ومن يقذف الدخان والنار!

شتان بين من يحيي النفوس بالصدقة وقد كاد يسلبها الفقر بهجة الحياة: ذاك هو الكريم. ومن يحيي العقول بالعلم وقد كاد يقضي عليها الجهل: ذاك هو العالم. ومن يحيي الأبدان بالعلاج وقد كادت تقتلها الأسقام: ذاك هو الطبيب.

شتان بين هؤلاء وبين من يقتلون النفوس ويكيدون المكائد. وشر أولئك مكانة الذين اتخذوا من الجبال بيوتا ليبيّـتوا فيها خططهم المشينة ضد الطبيعة والناس؛ يطلبون الأمان لنفوسهم باحتمائهم بها ويهددون أمن الناس بضربهم في عقر دارهم وهم أمنة نعاسا! ويستترون بظلام الليل وقد بات سرمدا في نفوسهم بعد أن انطمس النور من قلوبهم وغشا ضمائرهم عتمة فأضحوا لا يرون شمسا ولا نورا، ولا خضرة ولا جمالا! قد زين لهم الشيطان عملهم فرأوه حسنا، والتبس عليهم الجميل والقبيح فما عادوا يميزون الخبيث من الطيب من الأعمال.

إن أسوء السوء أن نظن بأنفسنا الخير ولسنا على شيء، وأن نرى فعلنا جميلا ويراه الناس قبيحا!

وإنما نرى الأشياء بعين القلب. فكما لا يبدو ما تحت الماء إلا بصفاء الماء، كذلك لا يرى القلب حقائق الأمور إلا إذا كان صافيا من خبيث النيات وسقيم الأهواء.

إن حبة الفاكهة لا يكتمل جمالها إلا إذا كانت سليمة لا علة فيها ولا فساد!

فحريّ بالإنسان أن يعمل على تطهير قلبه من الأحقاد والضغائن، وأن يحرص على تصفية فكره من الشكوك والأباطيل حتى ما ترد على قلبه من خَطرة ولا على ذهنه من فكرة إلا وتكون إيجابية خالصة من اعتلالات النفس ودرن الهوى.

ثم ما من صفة في النفس إلا وتنعكس على سلوك صاحبها كما ينعكس لون السماء على صفحة البحر. بل وعلى قسمات وجهه أيضا. فترى سيّء الخلق وجهه متجهما مسودا بينما تجد لحسن الخلق نضارة وربما لم يؤت حظا من الوسامة !

إن امرءا عندما يفصح عن حال نفسية ملؤها الفرح والاغتباط والبشر ترى في وجهه تفتح وإشراق؛ كأن ما يملأ قلبه قد ارتسم على ملامح وجهه.

تراه وهو يتوجه بالشكر الجميل لمن أجزل له العطاء، أو يعد وعدا صادقا بالإحسان إلى من جاء يستجوده، يستنير وجهه بنور تلك المشاعر الطيبة الجميلة التي تتحرك بداخله.

نورعلى نور

إن النور الذي هو أسمى مظاهر الجمال ـ عندما ينفلق عنه الصبح ـ فيه تذكرة لنا بالنور الذي بداخلنا؛ كأنه يدعوه للتجلي، يدعوه للإشراق.

إنه بشرى تحمل للخلق بميلاد يوم جديد؛ تتجدد فيه العزائم وتتقوى الهمم؛ ينبعث في القلوب ليحييها بعد موات، ويسري في الأبدان ليملأها حيوية ونشاطا بعد نوم وغفلة.

إنه يتسلل إلى داخلنا ليوقظ ذلك النور الذي وضعه الخالق فينا ليكون لنا نبراسا نهتدي به في ظلمات الشك والحيرة، كما يهتدي المدلج بالنجوم في ظلمات البر والبحر.

هو العقل وما خلق فيه من استعدادات لفهم أمور الحياة وكشف حقائقها وتسخير موجوداتها من أجل حياة الإنسان وسعادته فوق الأرض؛ ذلك النور الرباني الذي فينا.

هو العلم الذي جعله أسماء تبحث عن المزيد من الأسماء والمسميات.. وجعل منه سبيلا إلى اكتساب المزيد من النور..

هو القلب الذي أشعل فيه فتيل الإيمان ثم أفاض عليه ربنا زيتا مباركا ليزداد إشعاعا ونورا..

إنه نور الفطرة.. ونور العلم.. ونور الإيمان..

أنوار يدعو بعضها بعضا، فإذا فقد الإنسان أحده سعى إليه حثيثا يدفعه توقه إليه وحيرة يجدها في غيابه.

ثم إذا هو عثر على قبس منه أشعل به المصباح الذي بداخله بعد أن أطفأته الشكوك والظنون والأوهام في نفسه، فكانت إشراقته كإشراقة الشمس في فصل الربيع بعد سحاب ورعد وبرق.

وكلما ارتقى الإنسان في مراتب العلم والإيمان، كلما زاد النور الذي بداخله إشعاعا حتى تراه وقد أشع على وجهه بشرا ونضارة.

وليس أسعد للمرء من عقل مستنير، قد سطعت فيه أضواء العلم وبزغت فيه أنوار الحكمة؛ فكانت سراجا في يد صاحبه يشق به طريقه وسط ظلام الجهل والتيه من حوله.

فكيف نغفل عن ذلك النور الذي فيه حياة قلوبنا، ولا حياة لنا بدونه كما لا حياة للنبات بغير نور الشمس وضياء النهار.

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان!

إن النفوس كما جبلت على حب الجمال جبلت أيضا على حب كل خلق جميل، حتى ما تجد من امرئ إلا ويحب الصدق ويحب العفو ويحب الجود ويحب العدل ويحب السلام.

ثم ما من امرئ إلا ويعجبه منظر الأم وهي تحضن ولدها ومنظر الإبن وهو يعانق أمه ومنظر الصديق وهو يداعب صديقه ومنظر المحب وهو يتودد إلى محبوبه. ونعجب لمنظر من يصفح عمن آذاه ومن يسالم من عاداه ومن يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويتبسم لمن شتمه!

فعلى هذه الصور الأخلاقية الجميلة وموقعها الحسن في النفوس تلتقي البشائر جميعها مهما اختلفت أديانها وثقافاتها.

ثم ما من شيء نشحنه بالحب إلا ويكون جميلا، وما من شيء نصبغه بالجمال إلا ويكون محبوبا. فنحب اللوحة الجميلة وراسمها والقصيدة الجميلة وناظمها والنص الجميل وكاتبه والخطبة الجميلة وملقيها، ونحب الطبيعة الجميلة وخالقها!

فإذا كان الجمال يورّث الحب فإن الحب يورّث الطاعة للمحبوب. والله تبارك وتعالى هو الأحق بالحب وهو الأحق بالطاعة لأنه هو خالق الجمال كله، وهو الجميل فوق كل جمال بأسمائه الحسنى وصفاته العلى!

وما طاعته إلا بإيتاء محابّه من الأعمال وإدراك أعلى مراتب الجمال الروحي والخلقي وهو الإحسان!

لقد خلقنا المولى عز وجل في أجمل صورة وأغدق علينا نعما كثيرة لنزداد بها تألقا في سلم الوسامة والكمال.

حبانا بنعمة المال لنستزيد من آليات الزينة والجمال في الملبس والمأكل والمسكن والأثاث. وحبّب إلينا ذلك حتى لا نهن في طلب التزين والتجمل في ظاهر حياتنا.

وحبانا بنعمة العقل وحبّب إلينا العلوم والفضائل لتكون زينة لبواطننا إذ كلما اكتسبنا منها قسطا ازدادت بها عقولنا وقلوبنا إشراقا ونورا.
وحبانا بنعمة الدين وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا لنسلك به طريق الإحسان والخير والجمال.

ولقد خلق لنا هذا الجمال في الطبيعة من حولنا وفي الكون كله، ليكون لنا عبرة ومنهاجا ننتهج على منواله سبيلنا في هذه الحياة.
لقد خلقه لنا ليختبر به سرائرنا ومدى ما نلبسها إياه من جمال وحسن.

وإن ذوي السرائر الجميلة هاهنا هم الذين يرثون الجمال الأعلى هناك في جنات النعيم؛ أين ينعمون بالحدائق الغناء والمياه الجارية والعيون الفياضة والأشجار المتدلية والفواكه الكثيرة، وسط معادن الذهب والفضة وأحجار اللؤلؤ والزبرجد والياقوت.

لقد رقت طباعهم ولانت معاملاتهم وجملت أخلاقهم حتى كانوا أهلا لأن يُـلبَسوا لباسا من حرير ناعم ويُحَـلوا بأساور من ذهب وفضة.

وصبروا الصبر الجميل فلم يؤذوا ولم يفحشوا فلقوا بتحية طيبة جميلة، ونزهت أسماعهم عن سماع أي كلام قبيح أو لغو فاحش.

لقد طابت نفوسهم وكانوا آمنين على الناس فاستقبلوا بالسلام والوعد بالأمان في الجنات؛ متقابلين على الأرائك والسرر، متكئين على فرش ووسائد حرير ظاهرها وباطنها!

لقد أتوا من جميل الفعال طمعا في جميل الجزاء بل خشية من قبيح الجزاء فأتوا ما أتوا إيثارا وسماحة تنزها وتجردا عن طلب أي منفعة آنية أو شكر من الخلق، فكان جزاؤهم نضرة في وجوههم وسرورا في نفوسهم بما أغدق عليهم ربهم من جميل النعم في أجمل مقام.

إن الجمال هاهنا اختبار وهناك جزاء. وبقدر ما يحسن المرء الاعتبار بهذا الجمال والتمثل به في ظاهر حياته وفي باطنها، بقدر ما ينال من الجمال في المقام الكريم عند ربنا الكريم المتعال.

إن الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء وجعله في كثير مما خلق، فيه دعوة لنا لتجميل سرائرنا وتحسين سيرتنا مع الناس بجميل الفعل والقول.

إن أقرب الناس إلى الله في الدنيا والآخرة المحسنون؛ الذين هم أحق الناس بوراثة ذلك المقام الجميل وسط جناته وفي كنف نوره ورضوانه!
كأنه النور الذي مشوا فيه في الدنيا واتبعوا ظله هو الذي مشى بهم إلى أن ألحقهم بالنور الإلهي في الجنة التي تتلألأ نورا، يتفيئون في ظلالها الدائمة!

أليس سخاء المؤمن يمتد إلى أن يبلغ ذلك المقام ليكون شجرة جذعها في الأرض تسقى بجزيل عطاءاته وفرعها يمتد إلى السماء العلى في جنة النعيم حيث أشجار من الذهب؛ سيقانها، وأغصانها من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت؟!

ألم يجزى أصفى الخلق سريرة وأحلاهم خُـلقا وسيرة مع الناس ممن اصطفاه الله من بين خلقه، بنهر الكوثر الصافي صفاء الثلج، والحلو حلاوة العسل بل أحلى منه؛ مجراه على الدرّ والياقوت وحافتاه من ذهب!

إنه الخلق الحسن ذاك الذي يجعلنا نفوز بأحسن المجالس بقرب أرق وأجمل الخلق رسولنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

وإنه الإحسان؛ منتهى الجمال الذي يريد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أن نلبس به نياتنا ومقاصدنا، وأفكارنا وأحاسيسنا، وأقوالنا وأفعالنا. فهو المطلب والمقصد والغاية. غاية تصل بنا إلى ماهو غاية في الحسن والجمال : إلى جنات ورياض وأنهار!

وإنما نثاب بالحسنى إذا توخينا الحسنى ونجزى بالإحسان إذا قصدنا الإحسان ونتوّج بالجمال إذا زيّنا نفوسنا وأخلاقنا بالجمال.

إنها المبادرة في وجوه الخير، والمباراة في إحراز أحسن الرتب، والسعي نحو بلوغ أحسن الأسماء، وصنع أحسن مما صنع وقول التي هي أحسن، والتحسين الدائم لما سبق فعله وقوله.

وإن تقدير الإحسان لابد أن يغرينا بالإحسان وتحسسنا للجمال لابد أن ينزع بنا نحو صياغة الجمال والسعي نحو تحقيق كل ما هو جميل: ذلك المسعى النبيل الذي يقودنا إلى ما ليس جمال الدنيا إلا أثرا منه!