الحـيــاة الـدنيـا
نشر ضمن مقالات ·ماذا تعني لك الحياة الدنيا ؟ أنها مقر عيشك ؟ أنها مقر عملك ؟ عملك للدنيا أم عملك للآخرة ؟
إن كنت ترى أنك جئت إلى الدنيا لتعيش فيها وتأخذ من كل حظ من حظوظها بنصيب، وأن سعيك فيها إنما هو من أجل هذا الهدف، فأنت لم تفهم الدنيا على حقيقتها، ولم تفقه الهدف الذي جئت من أجله!
واستمع لقول الله تعالى، يصفها لك: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:24].
فإن كنت ممن فقهوا معاني هذه الآيات، فلابد أن تكون عاملا فيها من أجل الهدف الذي خلقت له؛ ذاك الذي جاء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56].
تقول: وهل خلقنا فقط للعبادة ؟ ألا يحق لنا أن نتلذذ بالحياة ونستمتع بخيراتها ؟ أقول: بلى، بدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف:32].
وقول رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: « الدنيا خَضِرة حُلوة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها. ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل الذي لا يشبع » (الطبراني).
فلا يكون همك فيها إرضاء رغباتك وحاجياتك ومطالب نفسك. ولا هو مطلوب منك أن تزهد فيها فتحرم نفسك المتعة والطيبات التي أحلّ الله لك. فثمة أمر وسط، هو في الأخذ من الطيبات بدون إسراف وبما يَتطلب منك جلبها من الأسباب، دونما غفلة عن رضا الله فيما ائتمنك عليه.
جاء في الأثر: « ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معا، فإن الأولى مطيّةٌ للثانية » (ابن عساكر والديلمي).
ولك أن تأخذ بحكمة علي رضي الله عنه إذ يقول: « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ».
وحتى يتسنى لك بلوغ هذا الحد من التوسط، كن على نفسك وعملك رقيبا؛ حاسب نفسك! أليس الكسب هو ما تبحث عنه في كل شأن من شؤونك، وتحسب أرباحك وخسائرك في كل أمر تقبل عليه قبل وبعد دخولك فيه ؟ فأمور الآخرة أحقّ بعدّ أرباحنا وخسائرنا فيها.
يقول عمر بن الخطاب: « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر ».
وثمة ما يجب أن نحذره – ونحن مشغولون بجلب المكاسب والجري وراء الشهوات – هو الغفلة وطول الأمل.
فأما الغفلة فأن تنسيك أمور الدنيا أمور الآخرة، وأن يكون سعيك كله في جلب المنافع الدنيوية على حساب ما فُرض عليك من الفرائض.
وإن أخطر منه أن يطغيك المال فتصبح له عبدا؛ ويطبق حبه على قلبك فيستولي عليك الطمع والحرص والبخل، أو يكون إنفاقك منه فيما لا يرضي الله تعالى، أو يكون كسبك له فيه أكل حق من حقوق الناس.
والله يحذرنا أشد الحذر من فتنة المال، حيث يقول جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون:9]، ويقول جل من قائل: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:15].
وأما طول الأمل، فهو التأجيل للواجبات من إحقاق حق أو أداء أمانة أو وفاء بعهد…، وتأخير الفرائض من صلاة أو زكاة أو حج لمستطيع.
وإنه لأخطر شيء يجعل المرء يتوانى عن العمل؛ بما ينجرّ عنه من تسويف في أعمال الخير وقلة المبادرة إلى أعمال البر وعدم التعجيل بالتوبة من الذنوب والمماطلة في أداء الحقوق.
ولنا في رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، وهو القائل: « كن في الدنيا كالغريب أو كعابر سبيل » (البخاري)، وكما قال مؤمن آل فرعون لقومه: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غافر:39]. فليست الدنيا دار قرار وإنما هي دار عبور.
وليس للمرء فيها من ماله « إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس » (مسلم)، كما قال صلى الله عليه وسلم. فإذا غادر الدنيا لم يبق له فيها غير ما ترك من صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له.
وإن لنا في الموت لعبرة، وهو الذي لا ينذر بقدومه. ولا أحد يَعلم متى أجله وتاريخ وفاته.
وليس تذكر الموت من أجل الزهد واليأس، بل هو باب رحمة وخير لمن أحسن الاتعاض به؛ فأحسنَ العمل وأصلح وتاب ممّا غلبه من المعاصي والذنوب. وفيه تحضيض على المسارعة في الخيرات والتعجيل بالعمل الصالح.
ولا تخش الفقر إن كنت مؤمنا فذاك يخوّف به الشيطان عباد الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم»، وفي رواية: « وتهلككم كما أهلكتهم » (متفق عليه).
ولا الغنى يُخشى عليك منه إن لم يكن بقلبك وكنت حافظا لحق الله فيه، ففي حديثه صلى الله عليه وسلم: « لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم» (البيهقي وابن ماجة).
وقال عليه الصلاة والسلام: « من كانت الدنيا نيته فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جعل الله غناه في قلبه وجمع له أمره وأتته الدنيا وهي راغمة » (ابن ماجة).
ولك أن تتأمل قول الله تعالى في هذه الآية الجامعة: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا . كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا . انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ [الإسراء:18-21].
قال صلى الله عليه وسلم: « من أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، فآثِـروا ما يبقى على ما يفنى » (أحمد والحاكم).
فالأخذ بالوسطية والوقوف بحياتك على حد الاعتدال هو ما يجب أن تتحراه لتكون ممن قال الله تعالى عنهم مثنيا: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة:201]. وعكسهم من يذمهم بقوله: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ [البقرة:200].
- 24.07.10
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي