يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر:29].

قريبا سيحل علينا شهر رمضان المبارك، شهر القربات؛ الشهر الذي يتقرب فيه العبد من ربه بالعمل الصالح: بالنوافل وقراءة القرآن والصدقة والتحلي بالخلق الحسن، يجتهد في ذلك ما استطاع لأنه الشهر الذي تتضاعف فيه الحسنات ويجزي الله بصيامه ما لا يجزي في غيره من الطاعات، ولا يعلم قدر جزاء المؤمن به إلا هو سبحانه.

ولقد نعلم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيره لهذا الشهر واجتهاده فيه بالقيام حتى تتفطّر قدماه، وبالصدقة بحيث يكون أجود ما يكون فيه وقيل كالريح المرسلة لكثرة إنفاقه فيه. وهو القائل ترغيبا في إتيان المسلم أفضل ما يستطيعه فيه: « جاءكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله » (رواه الطبراني).

فإذا كانت الآية السابقة الذكر تعم سائر أوقات المؤمن وسائر الشهور من عمره، فإنه أدعى أن يأخذ بها ويأتي بما مدح الله عباده فيها، من التلاوة لكتابه وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقه الله سرا وعلانية في شهر رمضان خاصة لأفضليته على سائر الشهور في العبادة والأجر.

ولقد وصف الله تبارك وتعالى هذه الأعمال بأنها ﴿ تِجَارَة لَنْ تَبُورَ ﴾، ولو وقفنا قليلا عند معاني هذه الكلمات، فسوف نجد أن كلمة “ تجارة “ هنا لا تعني التجارة التي يتداولها الناس بينهم ما بين بيع وشراء، ولكنها تجارة مع الله، وصفها المولى عز وجل بأنها “ لَنْ تَبُورَ “ ولم يقل “ لا تبور” حيث نفى عنها البوار نفيا مطلقا في الزمن، علاوة على نفي كل فساد أو كساد عن مثل هذه التجارة !

ثم تأتي الآية بعدها لتبيّن كيف يكون الربح من تجارة تلك صفاتها، حيث يقول جل وعلا: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر:30]. فالأجر يكون كاملا وافيا مستوفيا لحسن أعمالهم ويزيد، – وذلك أفضل ما يرجوه التاجر من تجارته !

فإذا نظرنا إلى واقع الناس في رمضان وتعاطيهم للتجارة بيعا وشراء، نرى عجبا من تهافت الناس على الأسواق وأماكن البيع والشراء، بما يستغرق الساعات. ناهيك عما يصيب الباعة من طمع في زيادة الكسب اغتناما لفرصة ذلك الإقبال الزائد للمشترين.

والسؤال إزاء هذا الوضع: متى سنفقه بأن الصيام هو إمساك عن الطعام والشراب ليس لمجرد الإمساك، ثم الانشغال به والتفكير فيه طيلة ساعات الصيام ؟ وأين نحن من رجاء التجارة التي عند الله، التي لا فساد فيها ولا كساد ولا ضياع ؟

يقول تعالى في سورة النور- مباشرة بعد آية النور! – : ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [36-37-38].

يمكننا على ضوء هذه الآيات أن نقسم الناس من حيث سلوكهم في رمضان إلى فئتين:

• فئة هي من قبيل أولئك الذين يمدحهم الله عز وجل، ممن لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهنيئا لهم هذا الثناء من الله ثم الأجر والفضل الذي يخصهم به جل وعلا !

• وفئة هم بالضرورة ممن ألهتهم التجارة والبيع عن ذكر الله الذي هو أخص الذكر في رمضان، وعن إقامة الصلاة التي هي من أفضل الصلاة في شهر القيام، وعن إيتاء الزكاة في شهر القربات والصدقات والمسارعة في الخيرات.

ونلاحظ في ختام هذه الآيات ما جاء من حديث عن الجزاء على أحسن الأعمال والزيادة فيه بما يتفضل به المولى تبارك وتعالى على عباده كرما منه وجودا، لتختتم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.

ولقد نعلم ما في رمضان خاصة من بركة في الرزق، فهل في ذلك ما يدعو إلى الإفراط في اقتناء الضرورات وغير الضرورات مما ألزم الناس بها أنفسهم إلزاما في هذا الشهر بما لا يقدم في توقير رمضان شيئا ولا يؤخر، ولا يزيد في أجر الصائم ولا ينقص منه شيئا ؟!
لقد أفرطنا في النافلة وفرطنا في الفرض وغالينا في الشكل وتغافلنا عن المضمون – مضمون شهر رمضان المبارك الذي ليست بركته في الرزق، بقدر ما هي في القرآن الكريم الذي أنزل فيه، حيث يقول تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة:185].

وإنه الشهر المتضمن لتلك الليلة المباركة: ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. فالله يذكرنا فيه بأفضل نعمه علينا وأتمها وهي نعمة القرآن؛ بما جعل لنا فيه من خير ورحمة وبركة وفضل، ومن نور وهدى وموعظة وشفاء. وليست قراءته إلا لاستذكار تلك المعاني الجليلة وابتغاء النور الذي فيه لنستنير به من ظلمات الجهل والظن والتقليد للآباء وهوى النفس ووسوسة الشياطين.

ولقد آن لنا أن نفتح قلوبنا للقرآن نستشف منه العبر ونتعظ بالأمثال ونتدبر المعاني ونعمل بالأحكام ونلتزم ونجدد الالتزام بالأوامر وننتهي عن النواهي ونستغفر مما كان ونتوب، في شهر كله مغفرة، فيصفو القلب لتقبل الهدى والنور.

والله يستحثنا ويستعجلنا بقوله:﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد:16]، فإن لم نخشع في شهر الرحمات في حضرة كلام الرحيم الرحمن، فمتى سنخشع لذكره ونلوذ به ونعود إليه مستسلمين مستأنسين بشهر كله رحمة ونور؟
فالحذر الحذر من اللهو والسهو عن خيرات رمضان، بكافة الملهيات من بيع وشراء وإنفاق لا نفع فيه ! يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254].

ويقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ﴾ [إبراهيم:31].

فالله تعالى ينبهنا إلى أن الربح ربح الآخرة، والانشغال بالبيع والشراء هنا، الذي كل هم صاحبه الكسب للنفس مع الامتناع عن الإنفاق لا يفيد المؤمن في اليوم الآخر الذي لا بيع فيه.

يقول تعالى في سورة الجمعة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [الجمعة: 9-10-11].

فإن خص هذا التحذير يوما مباركا من أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، الذي فرضت فيه صلاة الجمعة وحضور الجماعة للرجال، وإيثار ذلك على التجارة والبيع والشراء، فلا مانع من أن نطبقه على هذا الشهر المبارك من أشهر العام؛ ومنادي الجمعة ينادي إلى الصلاة ومنادي رمضان ينادي للصيام والقيام والصدقة وكل أعمال البر.

ولا غُرو أن ابتغاء الفضل والتماس الرزق والأكل من الطيبات هو من قبيل ما أحل الله لعباده، لكن أن يرافق ذلك كله ذكر كثير، فالله خير رازقا مما نطمع فيه في رمضان من كثير الرزق مالا ونفقة، بيعا وشراء.

جاء في سورة المنافقون: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [9-10-11].

والمؤمن يسأل دائما عند قدوم رمضان أن يبلّغه الله إياه حتى لا يفوّت فرصة القرب من الله، بالانقطاع عن المفطرات والملهيات، والإقلاع عن قبيح الأخلاق وسيئ العادات التي التصقت بسلوكه طوال العام؛ فيجدد في نفسه العزم على ترك كل قبيح وتعلم ما هو جميل ونافع، يعينه على ذلك هذا الشهر الكريم بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، وتعاون الناس على الخير سواء بالصدقات أو بحضور الجماعات.

يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف:10-11-12].

إنها دعوات من الله يضمها كتابه الكريم الذي هو مأدبته، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن هذا القرآن مأدُبة الله في أرضه فاقبلوا مأدبته ما استطعتم »، يدعونا فيها ربنا إلى تذوق أطباق من الحكم والمواعظ والعبر شتى مما لا يشبع منه العلماء.

ففي رمضان ليست الدعوة دعوة إلى مائدة الطعام عندما يؤَذّن بالإفطار وقد وضعت عليها أنواعا من الأكلات والأطباق الشهية – وإن كان ذلك من قبيل ما أحلّ الله لنا-، بقدر ماهي دعوة إلى مائدة القرآن تلاوة وتدبرا، وتتبعا بالعمل وعزيمة على الطاعة.

والله يوفقنا لصيامه وقيامه، إيمانا خالصا من نفوسنا واحتسابا للأجر الجزيل عند الله تعالى الذي نحن بحاجة إليه، وهو الغني عنا سبحانه، لا يرجو بفرض الصيام علينا إلا أن ننفض الغبار عن نفوسنا ونتسامى في درجات الخير والإحسان، وهو جل وعلا يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.