أين الحجاب الشرعي؟
نشر ضمن مقالات ·أضناني البحث في الأسباب التي جعلت الحجاب يؤول إلى ما آل إليه من أشكال مبتدعة لا تمت إلى الحجاب الشرعي بصلة، ولم أعثر على جواب يزيل عني بعض ما أجده في نفسي من أسف وحيرة كبيرين!
وأتساءل السؤال تلو السؤال.. ما كل هذه الاستهانة وهذا الاستخفاف بأصول الحجاب؟ ما الذي جعل هؤلاء النسوة وأولئك الفتيات يركضن وراء أشكال الموضة ويتتبعن خطواتها حذو القدة بالقدة، ويتنصلن من أوصاف الحجاب التي لا أظن أنهن ينكرنها أو يجهلنها إنما يتنكرن لها!
هل هو إنكار أو تنكر؟ هل هو جهل أم تجاهل؟
لقد ساءت أشكاله وأوصافه إلى حد يثير الغيظ في نفس من يغبطه أن تزدان شوارعنا بإناث قد سلكن سبيل الحشمة والستر والعفة الجميلة.
لقد طغت الموضة على القلوب والعقول حتى ما عادت “تعقل” شيئا غير ما يرسمه وينجزه مختلقوها، لا يهم بتاتا من أي مكان أتت أو من أي قارة هي تتدفق علينا! وربما تساؤلي هذا يثير الضحك والسخرية، فما هذه الثياب إلا سلع جديرة كلها بالاقتناء، جديرة بالارتداء؛ إنها دليل الأناقة والعصرنة وكفى!
كان ثمة فارق – إلى وقت قريب- بين المرأة المحجبة وغير المحجبة، ذلك الفارق الذي تستلزمه أوصاف الحجاب الشرعي من طول وسعة وتغطية لكامل البدن ما عدا الوجه واليدين. كل هذا كان يحترم إلى حد كبير مع اختلاف في اختيار الشكل الذي تحترم ضمن حدوده أوصاف الحجاب؛ بألا يصف ولا يشفّ.
هذا الفارق زال فجأة – أقول فجأة لأنه حدث بشكل سريع في الآونة الأخيرة- وإلى حد خطير، حد يثير الأسف في نفوس من يهمهم أن يحترم الحجاب ويوقر، ويحترم باحترامه ويوقّر الذي فرضه من فوق سبع سماوات.
بات الفارق اليوم هو ذلك الخمار الذي يوضع على الرأس، واختزل الحجاب بذلك وتقزم شيئا فشيئا حتى ما عاد الالتزام به غير التزام بشال يغطى به الشعر، ويبدو أنه لا يضير الكثيرات ممن تبنين هذا الشكل الجديد بل استحسنّه لما يجدن من ألوان زاهية وأشكال بديعة وطرازات جميلة ومتنوعة في الشالات.
ثم تحصل الكارثة فيما سواه، سراويل نصف الساق (للنساء طبعا!) وتنورات (ليكات) بأكمام قصيرة (3/4 الذراع!) ناهيك عن القمصان اللصوقة بالجسم (البوديهات!). وإذا كانت تلك الفساتين الفضفاضة تليق بالمحجبة كما يعتقدن لطولها (مع رجاء ألا تأتي رياح بما لا يحمد عقباه!) ، فإن الجانب المكشوف من الصدر وغياب الأكمام يجعلهن يستعضن عنها بذلك “الجيلي” الذي لم ينس مستوردو تلك الفساتين أن يجلبنه معها، فتربطه في الوسط بعد أن يلفّ الصدر بما لا يشفّ لكنه يصف ذلك الجزء من البدن الذي تدعو أية الحجاب إلى المبالغة في ستره بصفة خاصة.
وأعود إلى السؤال: هل هو الاستخفاف؟ هل هو الجهل؟ هل هي الغفلة؟ هل هو السكوت الذي يجر إلى المزيد من الخرق للقانون وضعيا كان أم إلهي المصدر؟!
عندما أعود بذاكرتي قليلا إلى الوراء لأستبين عن بدء انتشار مثل هذه الأشكال المبتذلة مما تظن من تبنتها أنها قد تحجبت ودخلت في زمرة المحجبات المؤديات لفريضة شرعية لا محيص عنها! عندما استرجع الماضي القريب يتراءى لي فتيات في سن المراهقة يترافقن في الشارع، كلهن على طراز واحد من اللباس؛ يرتدين ذلك السروال الضيق المسمى “سليم“، (يبدو أن إسمه يعني ذات القد النحيف!) ربما يكون آخر ما اخترعته الموضة في عالم “الجينس“، يعلوه لباس ضيق قد اختير له قماش واصف يلتصق بالجسم ويفصله تفصيلا دقيقا، ثم يأتي ذلك الشال لِـيُلَفّ على الرأس بإتقان كيبر.
وتهاطلت علينا بعد ذلك من نفس ذلك الصنف من القماش في شكل سراويل “علاء الدين” وبوديهات تلون البشرة فتجعلها بيضاء ناصعة أو حمراء أو صفراء أو وردية.. تختار المرأة ما يناسب فستانها أو تنورتها التي جلبتها إليها الموضة بدون أكمام أو ذات أكمام قصيرة.
كل هذا انتشر اليوم بشكل رهيب فلم يعد لباس المراهقات فقط بل غدا مناسبا لكل الأعمار حتى لذوي الخمسينات وأكثر ممن رأيتهن بأم عيني:الأم وابنتها كلاهما ترتدي من تلك الفساتين مع الجيلي الذي يذكّر بما كان في يوم ما لباسا داخليا لكن شاءت الموضة أن يصدر خارجا!
لننظر سويا فيما يعرف من شروط الحجاب وأوصافه ثم نقابله بما استحدث منه وأخذ اسم الحجاب دونما استحقاق:
• تقول السنة النبوية الشريفة أن حجاب المرأة يكون ساترا لجميع بدنها ما عدا وجهها ويديها، أما حجاب الموضة فيسوّغ فيه إبداء شيء من الساق أو من الذراع أو حتى بعض خصلات من الشعر!
• يكون سابغا فضفاضا فلا يصف مفاتن المرأة، بينما السمة الغالبة في الحجاب المعاصر أنه ضيّق أسفل البدن وأعلاه على السواء!
• يكون صفيقا لا يشفّ، وكم هو متهاون فيه من أكثر المحجبات اليوم بارتدائهن دونما ورع ألبسة شفافة من نوع “الفولار”!
• وأهم شرط وأشمله مما فرض من أجله الحجاب هو ستر الزينة، وأي ستر في تلك الألبسة الضيقة المزركشة البراقة المصورة لبدن المرأة بدقة متناهية، الكاشفة لما استوجب ستره عن الرجل الأجنبي.
فقول الله جل وعلا: “ولا يبدين زينتهن” قد غاب تماما، بل أفرط في التزين حتى عاد الحجاب أو ما يظنونه كذلك زينة في ذاته. بل أصبح من غريب الأمور أن ترى إمرأة غير محجبة لكنها غير ملفتة للأنظار في لباسها بينما تمر المحجبة فتلتف حولها الأنظار لمبالغتها في التزين، حتى جعل أحدهم يقول: “إنهن أكثر فتنة من غير المحجبات”!
فهل تعلمين يا أختي، يا من أعزك الله وأعزني بهذا الدين، وأكرمني وأكرمكِ بهذا الستر الجميل؟
- أنه يسترني ويسترك عن نظرات الشهوة والزنى (فالعينان تزنيان وزناهما النظر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).
- أنه يعفني ويعفك ويغرس في نفسيتي ونفسيتك معاني العفة والطهر.
- أنه يمنع عني وعنك الأذى والنفوس الخبيثة المتحرشة بالسوء.
- أنه يشركني ويشركك في طهارة المجتمع وعفافه وإبعاد بوادر الفاحشة عنه.
إنه حصننا المنيع وحجابنا الحاجز أمام تردي أفراد مجتمعنا ذكورا وإناثا في مزالق الرذيلة وسوء الأخلاق.
ولو تعلم المرأة ما تحدثه النظرة من الرجل إلى المرأة المتبرجة بزينة، التي تعرض مفاتنها لا يهمها إلا أن تبدوَ جميلة، لو تعلم ما تستثيره في نفسه من نوازع الشهوة وما يحدثه من أضرار نفسية وعضوية ذلك الذي تظنه تزينا بريئا، لارعوت وامتنعت وأحجمت عن تلك الزينة، ولسارعت بالالتزام بما أوجبه الله تعالى عليها من واجب الستر والإخفاء لمفاتنها، وهو خالقها وأعلم بطبيعتها وطبيعة الرجل على السواء.
ولقد جعل الله لنوازع التجمل والتزين التي تسكن دواخلها وتطبع سجيتها متنفسا في البيت وبين المحارم ووضع لها حدودا خارج البيت وبين الأجانب، فمن أطاعته في تلك الحدود كانت مسلمة حقا، ومن أبت وكابرت فقد اختارت طريق الهوى.
وما اتباع الموضة إلا اتباع لهوى النفس، إذ كيف تستحسنين الضيق من اللباس ويعجبك ذلك الفستان القصير وتطربين فرحا بذلك الملتصق ببدنك، ودينك يدعوك إلى نقيض ذلك كله؟
كيف تستسلمين للشيطان وهو من ورائك، يزين لك ذلك ويغريك بطلب المزيد من الألبسة الكاشفة لتكوني “أكثر جمالا وأكثر جاذبية”! كما أغرى أباك وأمك من قبل بأن يأكلا من الشجرة فبدت لهما سوءاتهما..؟
وتحققين لمصممي الموضة – وهم أولياء الشيطان- مبتغاهم من التعري والتكشف، لامرأة يريدونها جسما بلا عقل وحسناء يرضون بها نزواتهم الشهوانية البغيضة؟
وتعتقدين أن الحجاب يقيّد حريتك؟ فعن أي حرية تتحدثين، وأنت قيد الهوى وقيد الشيطان وقيد تجار الموضة، تستسلمين للإغراء تلو الإغراء من هذا وذاك؟
فاختاري لنفسك ما تشائين إما أن تكوني مطيعة لربك فيما قضى ولرسوله، أو أن تكوني لعبة يعبث بها تجار الألبسة ومستوردو الموضة المروجون لها؛ فتكوني كما يحلو لهم أن تكوني لا كما تريدين وتظنين أنه اختيارك وحريتك.
لك الخيار في أن تكوني مستعلية كما أراد لك دينك أن تكوني، أو أن تكوني إمرأة تافهة كل همها شكلها فلا تترقى بعقل أو بدين أو بنفس مستسلمة عابدة.
لك الخيار في أن تكوني كريمة كما أراد خالقك أن تكوني، أو أن تكوني إمرأة رخيصة تتهافت حولك الأنظار المحرمة وتتحرش بك النفوس المريضة.
لك الخيار في أن تكون عفيفة لا يذكرك حجابك إلا بالعفاف والطهر كما تريد فطرتك السليمة أن تكوني، أو أن تكوني إمرأة مبتذلة لا يثير مظهرها غير نوازع الشهوة المحرمة.
ولا تقولي يوم تلقين ربك: كنت مسيّرة مستضعفة بل لك الخيار كله، فاختاري لنفسك ما تريدين!
- 24.07.10
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي