سـلسـلــة: ســـل نفســك..

2- هل تقيم صلاتك ؟ لا أسألك هل تصلي ولكن، هل تقيم صلاتك ؟

﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء:103]. هي أمر مفروض على المسلمين، وهي ركن أساس من أركان الإسلام، فهي عماد الدين، وهي قوام الروح ودليل الاستقامة.

فمن « صلحت صلاته صلح سائر عمله، ومن فسدت صلاته فسد سائر عمله »، كما قال نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي رواية، فإن « صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر » (سنن الترمذي)؛ فهي فلاح في الدنيا والآخرة لمن أقامها، ولذلك كانت « أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة »، كما أخبرنا بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.

إن المصلين في أوساط المسلمين كُثُر، ولكن المقيمين للصلاة عددهم قليل، وما سؤالي بالنحو الذي جاء عليه إلا لأجل ذلك الفارق بين مؤدي الصلاة ومقيمُها! ولقد ذُكرت الصلاة في أكثر المواضع التي ذكرت فيها في القرآن الكريم مقرونة بلفظ الإقامة، ورد ذلك نحو ست وأربعين مرة كأمر ملازم لها لا تتم إلا به.

جاءت مرة بصيغة الأمر، موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:114]، و﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الحج:78]، و﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:14]، و﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:45].

وإلى عامة المسلمين في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:43]، ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:72]. ويأتي الخطاب بصيغة المدح والثناء على مقيمي الصلاة، من بين جملة الأعمال التي يوجبها عليهم إيمانهم، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[البقرة:3]، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:162].

والإقامة لغة القيام؛ وهو امتداد قامة الإنسان إلى جهة العلو بالانتصاب – أي انتصاب القامة، واصطلاحا إقامة الصلاة تمامها. وفي تفسير ابن كثير: إقامتها أي المحافظة عليها وإقامة حدودها بتحسين الوضوء فيها وإتمام الركوع والسجود والخشوع فيها ثم المحافظة على مواقيتها الشرعية. أي أن يستوفي كل أركانها وشروطها فيقيمها على الوجه الشرعي.

فلأجل أن تكون الصلاة تامة تستلزم شروطا لا تتم إلا بها؛ منها إحسان الوضوء واحترام الوقت المخصص لكل صلاة واستقبال القبلة… قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه ».

فأما إحسان الوضوء فهو بإسباغه أي بإيصال الماء إلى جميع الأطراف, يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة » (رواه مسلم).
فإذا دخل العبد في الصلاة كان عليه أن يقبل على الله بقلبه، يقول ابن قيم الجوزية – رحمه الله-: « وسرّ الصلاة وروحها ولبها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي له أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره فيها. بل يجعل الكعبة – التي هي بيت الله- قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت تبارك وتعالى قبلة قلبه وروحه». (أسرار الصلاة).

وفي الحديث: «لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فعن الحارث الأشعري، أن يحيى بن زكريا عليه السلام جمع الناس فكان من بين ما أمرهم به: « إن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ». وفي رواية: « إن الرجل إذا دخل في صلاته أقبل الله عليه بوجهه فلا ينصرف حتى ينقلب ».

ثم مع تحري عدم الالتفات بالوجه وبالقلب جميعا، يجتهد المصلي في تحقيق الطمأنينة في كامل أركان الصلاة من ركوع وقيام وسجود؛ والطمأنينة هي استقرار الأعضاء وسكونها مدة من الزمن حتى تطمئن المفاصل.

وقد تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة أن يطمئن المصلي راكعا- وهو القائل: « لا يجزئ ركوع بلا طمأنينة ». ثم يقوم حتى يطمئن قائما ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا، ولا ينقرها نقر الجائع، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديثه: « مثل الذي لا يتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مثل الجائع، يأكل التمرة والتمرتينن لا يُغنيان عنه شيئا ».

وقد عاب صلى الله عليه وسلم على ذاك المصلي عدم إقامته لصلاته، فأعاده إليها مرات وهو يعيدها ولا يقيمها، فلا يأت إلا بحركاتها دون موجباتها من الخشوع والطمأنينة. وهو القائل عليه الصلاة والسلم لأصحابه: «أسوء الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، فقال أصحابه: كيف يا رسول الله، يسرق من صلاته: قال: « لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا القراءة فيها ».

وجاء في الأثر أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام أن « يا موسى إذا ذكرت فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل، وناجني بقلب وَجِل ولسان صادق». ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما الصلاة تمسكن ودعاء وتواضع وتضرع وتأوه وتنادم، ولا تضع يديك فتقول اللهم اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج » – أي ناقصة-.

ومن حرص الإسلام على إتمام العبد لصلاته أن جعل لنا سجود السهو لورود ذلك على المسلم حيث لا يسلم منه أحد، فيسجد سجود السهو لتكميل ما اختلت به صلاته إما بنقصان أو بزيادة.

كذلك من رحمة الله بنا أن سن لنا النوافل حتى تكون تتمة لما نقص من الفرائض، حيث جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: « من صلى صلاة لم يتمها زيد عليها في سبحاته حتى تتم » – أي نوافله -، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: « أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملوا به الفريضة ». وأمر عليه الصلاة والسلام أن: « حسنوا نوافلكم تكمل فرائضكم ».

ومما يعين المؤمن على الخشوع في صلاته وحسن إقامتها تفكيره أن ربما تكون تلك الصلاة آخر صلاة له! كما نبهنا لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فحقيق بنا – ونحن مطالبون بإقامة الصلاة – أن نجتهد في أن تكون صلاتنا أقرب شيء من التمام وأن نبلغ بها حد الصحة حتى تستقيم لنا وتلقى القبول عند الله تعالى، ونحن نسأله دبر كل صلاة أن يتقبلها منا.

ولنحذر كل ما يشينها وينقص من قيمتها بتأخيرها عن وقتها الضروري من دون عذر كاحتجاج بعمل فتجمع الصلوات إلى آخر النهار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا: «أفضل الأعمال الصلاة على وقتها». وكيف تكون صلتنا به جل وعلا فقط آخر النهار ونحن محتاجون أشد الحاجة إلى إدامة الصلة به وتجديديها في كل وقت!

ولنستح من رب العالمين ونحن نقف بين يديه في الصلاة غافلين عن معنى كلامه الذي نقرؤه، منشغلين بأمور دنيوية، مستسلمين لوساوس الشيطان يتلاعب بنا كيفما شاء. فمن شرف الصلاة أن فيها ذكر الله وكلامه الذي « فضله على سائر الكلام كفضله جل وعلا على سائر خلقه »، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

علاوة على أن الخطاب موجه إلينا وفيه ذكرنا وشرفنا! ونحن إزاء أغلى شيء يرفعنا عند مليكنا، وقد سنها لنا من فوق سبع سماوات، وخففت عنا بشفاعة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من خمسين ركعة في اليوم والليلة إلى خمس ركعات خشية العنت علينا، مع ثبات أجر الخمسين.

وهي صلتنا بالسماء وبرب السماء نتحصن بها من الزيع والوقوع في الفحشاء والمنكر، فتستقيم بها – قدر إقامتنا لها – أخلاقنا وسائر أحوالنا.

وهي وصية رسول الله لنا – في آخر وصية له في حجة الوداع – وهو يردد: «الصلاة الصلاة، فهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، فاتقوا الله في أنفسكم وحاسبوها قبل أن تحاسبوا»؛ ذلك أنها مربط صلاحنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة.

قال صلى الله عليه وسلم: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد فمن جاء بهنّ ولم يضيّع منهنّ شيئا استخفافا بحقهنّ كان له عند الله عهد ان يدخله الجنة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنة».

ويقول تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ﴾ [ابراهيم:31].