سلسـلة: ســل نفسـك..

1. هل همك في الدنيا أن تعطي أم همك أن تأخذ ؟

إذا كان كل تفكيرك ومساعيك كلها وآمالك وطموحاتك في الحياة هي في الأخذ من كل حظ من حظوظ الدنيا بنصيب، فأنت ممن همهم في الدنيا الأخذ.

ولقد فشا في الناس أن المرء لا يكون سعيدا إلا بقدر ما يأخذ من الدنيا ويملك من متاعها. وهم يغبطون كل من تيسرت له سبل الكسب وبدت عليه سمات الغنى والرفاه، لا يهمهم إن كان حازها من أوجه الحلال أو كان يؤدي فيها حق الله عليه في الفقراء والمساكين، مثلهم في ذلك مثل أولئك الذين فتنوا بمال قارون، فقالوا: “إنه لذو حظ عظيم”!

وتجد أكثر الناس يفتخرون بما أوتوا وهو فضل من الله عليهم، فيتفاخرون بالأموال والأولاد وكل ما أحرزوا من مكاسب دنيوية؛ فتجد من تفخر بجمالها ولا فضل لها فيه إذ هو من الله، ومن يفخر بقوة بدنه وهي عطاء من الله، و من يفخر بسعة الرزق وكثرة الولد، وكله من عند الملك الرزاق!

ولقد يذكرنا هذا بصاحب الجنتين الذي كان يفخر على أخيه الذي لم يؤت مثل ما أوتي هو من المال والولد، ويظن أن ما أعطي من متاع سوف ينال أحسن منه إن ردّ إلى الله، إذ كيف يغدق عليه من النعم في الدنيا ثم يحرمه مثلها في الآخرة، وهو الذي أوتِيَه لفضل عنده!

إن الإنسان كثير الاهتمام بنفسه والانشغال بشؤونها، ويظن أن ما يغبطه في هذه الحياة هو أن تكون نفسه راضية بما يحققه لها من رغبات ومطالب كثيرة.

لكن خارج تلك الحدود، حدود النفس ومتطلباتها، توجد مطالب الآخرين وحاجاتهم ورغباتهم. والخروج من دائرة ذواتنا للدخول في دائرة الآخرين والنظر في تطلعاتهم وأمانيهم ثم التفكير في وسيلة تمكننا من تحقيق بعضها من أجلهم لهو أجمل مسعى وأنبله!

إن سعي المرء في إرضاء نفسه دائما يجعله يعيش سجين تلك المطالب التي لا تنتهي، بل تزيد كلما زادت قدرته على تحقيقها.

ألا ترى أنك إذا امتلكت مبلغا صغيرا من المال أيقنت أن ما لديك يكفيك وأن ما تحتاج إلى اقتنائه هو شيء قليل جدا، فإذا امتلكت مبلغا كبيرا تولدت في نفسك رغبات ومطامح كثيرة توجب تلبيتها؟!

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”.

فالذي يظن أن سعادته في الأخذ مسكين، لأنه يعيش حبيس نفسه التي لا تفتأ تطلب وتسأل، وتأكل ولا تشبع؛ فهو إنما يسعى في شقاء نفسه من حيث يظن أنه مسعدها، بطلب ما هو فان وترك ما هو باق.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن:16]. إن نفسنا تحدثنا بالشح والبخل، وتغلبنا أنانيتنا مرات كثيرة، ونرى أن سعادتنا في الإمساك. لكن الحق أننا لن نعرف طعم السعادة الحقيقية حتى نتغلب على هوى نفوسنا بمشاعر السخاء والبذل، والإيثار والتضحية. وإن هذه المشاعر عندما تترجمها الأعمال، تبعث في النفس فرحة لا تجد حلاوتها إلا وأنت باسط يدك بالعطاء.

كالذي يغلبه الكسل فلا يريد الاستحمام، ثم هو يتغلب على كسله ويفعل، فيجد في نفسه الإحساس بالانشراح والانتعاش بعدما تنظّف وتطهّر!

إن النفس تتكاسل وتتوانى عن فعل الخير، لكنها تمتلئ نشوة ورضا إذا أنت عارضتها ولم تتبع هواها. كذاك الخصم الذي يظهر القوة والسيطرة، ثم إذا وجدك تملك من القوة ما تستطيع أن تجابهه بها لان ورفُق، وأخفى بطره وغروره، وصادقك من بعد عداوة !

فشيء جميل أن نفرح لفرح غيرها، لكن أجمل منه أن نسعى في إسعادهم وإدخال السرور على نفوسهم. فما أسعدك بوجه مستبشر لأنك منحته ابتسامة جميلة أو أثنيت عليه بكلمة طيبة أو أهديته هدية غير متوقعة أو أسرعت إليه بخبر سار!

إن العيش في حدود الأنا – بإجماع الحكماء والفلاسفة – ودوام بسط اليد للأخذ لا للعطاء ليس مصدرا للسعادة أبدا, وكل من جرّب العيش لنفسه بإعطائها كل ما تشتهيه من المباهج والملاذ. نرى ذلك عند أهل الغرب وما أحرزوه من وسائل مادية حققت لهم حياة البذخ والترف, ثم هم يعانون من التعب النفسي والشقاء الروحي، حيث لم يسلم من ذلك المرض “القلق” إلا من جرّب لذة العطاء والبذل للناس فجعل نصيبا من ماله لإسعافهم, وقسطا من وقته لخدمتهم.

ولقد تعلمنا من ديننا الحنيف أن ما نأخذ لأنفسنا يفنى وما نعطيه لغيرنا يبقى بتعليم إمام المعلمين وسيد المعطين محمد عليه الصلاة والسلام أن ليس من مال المرء إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأمضى. وعلّمنا من خلال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما تصدقت بشاة أن الذراع الذي حسبت أنه المتبقي من الشاة هو الذي ذهب وأن المتصدق به منها هو الباقي، لله درّه من معلم!

ولنا في كتاب الله العزيز نماذج طيبة في الإيثار من الأنصار الذين عرضوا على إخوانهم المهاجرين إليهم أن يقاسموهم المال والأهل، فيقول تعالى مثنيا عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9].

كما يثني تعالى على الذين ﴿يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:8-9]. وما يليها من الآيات يصف عجيب ما أعد الله لهم من أصناف النعيم في المأكل والمشرب والملبس والمسكن!

ولقد حث الله تعالى على العطاء ومدح أهله وذم أهل البخل والإمساك ووعد كل من هؤلاء وهؤلاء بما يستحقون تلقاء اختيارهم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:5-11]؛ فإما أن نكون من ذوي الأيدي المبسوطة أو نكون من ذوي الأيدي المقبوضة.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان كالريح المرسلة في رمضان خاصة، وأجود ما يكون فيه، وكان يُسأل الثوب وهو جديد عليه فيعطيه في التوّ لسائله!

وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم فمنهم من كان يتصدّق بماله كله، ومنهم من كان يتصدّق بنصف ماله، ومن كان يجهّز الجيوش لقتال المشركين..

والمتأمل في آيات الإنفاق التي تزخر بها سورة البقرة، يستشعر قيمة هذا المسعى في الإسلام؛ من حث على الإنفاق وثناء على المنفقين ووعد لهم بخيرات كثيرة من المنّان، وتحذير مما يشين هذا العمل من منّ أو أذى أو رياء أو تخيّر الخبيث مما لا يرضى منفقه أن يُعطى منه!

وما نستنبطه من الآيات فيه وعد ليس أصدق ولا أبعث على الرضا والسعادة منه؛ وعد من الله جل وعلا بالخلف وإيفاء الأجر ومضاعفة الأجر، وأكثر من ذلك في الدنيا والآخرة سلامة من الخوف والحزن!

وغريب أن نتيقن الخلف ممن أهديناه هدية لنجاح أو زواج أن سوف يردّها إلينا في مناسبة مماثلة عندنا، ولا نتيقن الخلف من الله وهو الذي لا يخلف وعده! وقد قال أحد الحكماء: “من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة”.

إنه من الأهمية بمكان أن يربى أبناؤنا على العطاء وننمي فيهم وفينا مثل هذه الروح الخيّرة المنفقة التي همها العطاء لا الأخذ، ونعلمهم كيف يسعدون بالعطية ويوقنون بالخلف ممن بيده الخير كله ويحتسبون عنده الأجر ولا ينفقون إلا خالصا من نفوسهم، ونحذرهم من عواقب المنّ والمراءاة وإفساد الصدقة وإبطال العمل.

والإنفاق يشمل بلا شك كل ما يحتاجه الإنسان؛ فهو يحتاج إلى من يسعفه بالمال إذا كان فقيرا، ويحتاج إلى من يؤازره بالجاه إذا كان ضعيفا، ويحتاج إلى من ينير عقله بالعلم إذا كان جاهلا.. وبكل ما ينفع الناس. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”.

وليس الكسب في الدنيا إلا من أجل العطاء،- هذا الذي تنبهنا إليه آيات الإنفاق- وليس ما نأخذ من متاعها من أجل أن نستأثر به لأنفسنا ولكن من أجل إنفاقه.

والمؤمن الحق هو الذي لا يعيش لنفسه بقدر ما يعيش لغيره, لأن الأجر والجزاء من الله ليس فيما نأخذ ولكن فيما نعطي، وليس السعيد إلا من أسعده الله بما يحبه ويرضاه لعباده؛ بأن يقيه شح نفسه ويعينه على مغالبة الحرص والأثرة في نفسه ويقوي فيه روح الإيثار وحب العطاء!

فلنجاهد أنفسنا ولنمنعها من الإمساك خشية الإنفاق وخشية الفقر ولنذكرها أن ذلك إيعاز من الشيطان. وقد كان أحدهم إذا أراد إنفاق درهما فحدثته نفسه بشح أنفق درهمين إرغاما للشيطان ومغالبة لهوى النفس.

ولنحذر الوقوع فيما يغرينا به الشيطان من أن نعطي فقط من يستحق – ولسنا نظنه في ذلك الذي يكون محتاجا بقدر ما نتحسسه فيمن نوقن منه العرفان بالجميل!- وقد قيل: “اصنع المعروف إلى أهله وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله فهم أهله وإن لم تصب أهله فأنت من أهله”.

والمؤمن يكون أيقن بما في يد الله مما في يده؛ فليس الحرص من سمته، وإن كان ثمة حرص ففي الأخذ بالكتاب وبالعلم، ذلك الذي يحض عليه القرآن ويثني على أصحابه كما جاء في قوله تعالى للنبي يحيى عليه السلام: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:12]، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ كما كان دأب الأنبياء جميعا والصالحون والعلماء من بعدهم، وهم الذين لم يورّثوا درهما ولا دينارا ولكن ورّثوا العلم.

فكيفما كانت طبيعة ما ننفقه، فهي عطاء لله تعالى، لابد أن نحرص أن يكون كذلك حتى نحوز البركة فيما نأخذ لأنفسنا، ولا يزكو إلا ما كان خالصا لله وكانت فيه النية نفع الناس.

ولله درّ من يحيا حياة العطاء، ما أسمح نفسه وما أفسح أفقه! والذي يكون همه الأخذ يعيش أسيرا لمطالب نفسه، ضيق الأفق محدود التفكير.

ولأن الدنيا دار عطاء وليست دار أخذ، فالذي نأخذه منها هو من أجل التقوي على العبادة والإحسان إلى الخلق.