بعد ليلة عاصفة.. رعد وبرق ورياح ومطر مدرار, تطلع شمس يوم مشرق بسماء زرقاء وسحب بيضاء ناصعة.

تطلع وطلوعها يبدو لنا غير عادي، وقد كان قبل ذلك من المسلمات التي لا يكاد ينتبه إليها المرء أو يحس بها، كما هو من قبيل العادة في حياته اليومية، يفعله بدون تفكير و تركيز.

مع أنه يوم جديد، مثل ذلك المريض الذي يقوم بعد شفاء من سقم ألزمه الفراش، يقوم وهو يحس بنبض جديد في عروقه وبحياة جديدة!

نعم, إن النهار الذي يطلع علينا كل يوم هو رمز ودليل وسمة ليوم جديد في حياتنا، وبإمكاننا أن نجعل منه حياة جديدة؛ نجددها كما يتجدد ضياء النهار بعد ظلمة الليل.

يوم جديد.. تتجدد فيه العزائم وتتقوى الهمم، بعد سكن وراحة.

لكن.. نرى النور ولا نكاد نبصره، نستحسنه وننتعش له ولكن انتعاشا سطحيا ساذجا لا يمس الروح ولا يحرك القلب.

قد يصبح المرء وفي قلبه ظلمة لم يزلها ضوء النهار، وقد لا يترك ذلك الضوء يسري إلى فؤاده ليدفع بنفسه تبتغي من فضل الله ..!

قد يقوم وبداخله شعور بالضيق يحجب بصره وبصيرته عن رؤية امتداد السماء وسعتها والاعتبار بها.

قد يقوم لأن النهار قد قام، ونفسه لا تأبى إلا النوم والغفلة.

قد يقوم من نومه وظلام الليل قد ولى وأدبر ونور القمر قد أخفاه ضياء الشمس، لكن ما ولى في نفسه وأدبر هو نور اليقين.

قد يستيقظ وتنفتح عيناه لتبصر إشراقة الشمس الوضاءة, لكن بصيرته لا تلوي على شيء غير العمى.

ولا عبرة لمن لا يعتبر، ولا يعتبر إلا أولي النهى، من استنارت عقولهم بنور العلم وقلوبهم بنور الإيمان.

كانت الليلة الماضية شاهدا على قدرة الله ومشيئته، أنه “إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون” وأنه على كل شيء قدير, شاهدا على جبروته وعزّه، وأن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته.

وأن “له ملك السموات والأرض“، وأنه “ينشئ السحاب الثقال”, و“يرسل علينا السماء مدرارا” و“يرسل البرق خوفا وطمعا” لعباده.

وكانت شاهدا على أنه سبحانه “لا تأخذه سنة ولا نوم” وأنه “الحي القيوم”.

وأما طلوع شمس مشرقة على يوم جميل كهذا, فهي شاهد آخر يشهد برحمة الله تعالى ورأفته.

والعبرة لمن يعتبر، ولا يعتبر إلا كل صبّار شكور.