هل ننتقد أنفسنا بالقدر الذي ننتقد به غيرنا؟

الحقيقة أننا أكثر نقدا لغيرنا منا لأنفسنا، والأجدر أن نهتم بنفوسنا: نؤاخذها ونحاسبها ونستكشف عيوبها، ولنا فيها شاغل عن عيوب الآخرين.

فإن كنا في كل مرة نواجه فيها مشكلة نلقي باللوم على الاخرين ونرى فيهم السبب في تعاستنا، فإننا لن نجني شيئا من تجاربنا ولن نبلغ أبدا مستوى النضج النفسي الذي يفيده المرء من نقده لذاته ووقوفه على عيوبه وأخطائه.

إن المرء يكون نظره سليما وإفادته من تجاربه أكثر نفعا عندما يكثر من محاسبة نفسه، فهو بذلك يكشف عن أخطائه التي تكون قد جلبت له متاعب كثيرة أو قليلة، فلا يقع في الخطإ نفسه ولا تتكرر مواجهته للمشكل ذاته, والذي لم يكن غيره مسؤولا عنه.

فلا يظن ظان أننا في تبرئنا لأنفسنا وإبعاد الألم والضرر عنها – بالتخلي عن محاسبتها وتأنيبها- فيه فائدة لنا ونجاة. بل من الظلم للنفس أن نجعلها تعمى عن عيوبها ولا نترك لها مجالا لكشفها، من أجل التخلي عنها والبرء منها.

فعندما نعقد العزم على الجلوس إلى ذاتنا ننوي محاسبتها، يكون ذلك بمثابة غسل لها، ولن تكون بعد ذلك إلا أطهر وأنقى.

إن القوة كل القوة في تحملنا لمسؤوليتنا تجاه أخطائنا ولن نجنيَ شيئا من تحميل الآخرين تبعة أخطائنا غير السفه وصغر النفس.

فثمة من المتاعب والأضرار ما نستجلبها لأنفسنا استجلابا، ثم نحن نشكو ونتبرم منها. ذلك لأننا نظن أنها من غيرنا، أو من “ نوائب الزمان وتقلبات الدهر“، فنقف إزاءها مستسلمين ضعفاء.

والحق أن مغالاتنا في إلقاء اللوم على الآخرين أو على “الزمان” هي التي تجعلنا فريسة لتلك المتاعب والهموم, ولو أننا فقط فكرنا قليلا لتمكنا من تجنب الكثير منها. فلماذا نزهد في التفكير ثم نغلو في الشكوى؟

إن مراجعتنا لأنفسنا: لأفكارنا وسلوكاتنا قليلة، ومحاسبتنا لغيرنا كثيرة. وإن في استرسالنا في عدّ مساوئ الآخرين وأخطائهم، وغض الطرف عن مساوئنا نحن وأخطائنا، تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين خطأ كبير.

ولن يكون لنا عقل أو اتزان إلا إذا وازنّا بين الأمرين: ملامة نفوسنا وملامة الآخرين, بل عندما يكون لومنا لأنفسنا أكثر من لومنا لغيرنا. وإن للمرء في نفسه لشغل يغنيه عن الانشغال بغيره!

لابد أن يكون للمرء وقفة ووقفات مع نفسه، يستجوبها فيها ويسائلها عما يجول فيها وما يصدر عنها، يحاسبها ويلومها، يؤنبها ويعاقبها، خاصة عندما يرى أنها تغالي في الشكوى، وفي تأنيب الآخرين وإلقاء اللوم عليهم دائما.

وبقدر ما تتسع محاسبة المرء لنفسه، بقدر ما يكون نظره سليما، وإفادته من تجاربه أكثر نفعا، حيث يميز بين ما هو منه وما هو فعلا من غيره، ويكتشف عيوبه التي إذا ما اجتهد في التغلب عليها كان بقدر ذلك سلامة له في المستقبل مما قد عانى منه في الماضي، ولم يكن غيره مسؤولا عنه.

وهكذا مع كل تجربة نمرّ بها، ليكن سابق تفكيرنا في مدى مسؤوليتنا عن ذلك الضرر الذي ألحق بنا أو بغيرنا.

إن الذي يكثر من إلقاء اللوم على الآخرين لا يدري كم يظلم نفسه لأنه يعميها عن الحق الذي كلما بصرت به ازداد به عقله نضجا وحصافة.