أليس من طبيعة الإنسان طلب الكمال؟ أليس هذا هدفنا الأسمى في الحياة؟ فلماذا لا نسعى إليه؟ لماذا لا نطلب الكمال ولا نحب الارتفاع؟

ألأن في ذلك جهد ومشقة، ونحن قد ألِفنا الكسل والخمول؟ وليس كسلا وخمولا جسديا، بل هو في نفوسنا: ضعف إرادة وصغر همة.

إن علو الهمة هو الذي يبعث بالمرء يبحث عن الكمال ويحث الخطى نحوه في حزم وكياسة. ولابد أن نكون فاقدين لهذه الصفة حتى نكون على هذا القدر من “الواقعية” وضيق الأفق!

هو خور أصاب إرادتنا حتى لم تعد تنهض بنا إلى شيء نفخر به. بل كل فخرنا اليوم أضحى في إحرازنا لمكان صغير ضمن واقعنا الضيق، وفي قدرتنا على مجاراة الظروف.

تعوزنا قوة الإرادة التي تدفع المرء دوما إلى الأمام ولا سبيل لنا إلى النهوض بأنفسنا بغير قوة إرادة.

هو الابتذال الذي قد ساد وطبع كل شيء حتى ألفناه فلم يعد للجودة والإتقان، والاجتهاد والنبوغ وجود بيننا. لم تعد هذه المعاني تحرّكنا لأننا لا نحب الارتفاع.

وإننا لنسخر من الشخص الطموح العالي الهمة، ونعيب فيه “طوباويته” التي تجعله لا يفتأ يفكر في “مدينته الفاضلة”!

لم يعد خيالنا يتسع للأحلام نتجاوز بها الواقع المحدود، نرسم لنا فيها صورا جديدة أسمى وأبعد مدى من حقيقتنا.

هل الطموح هبة ربانية يسخو بها المولى عز وجل للبعض ويحرمها البعض الآخر، فنحن نقف إزاء هذا الاعتقاد مستسلمين راضين بالقسمة الإلهية؟!

لا، ليس الأمر كذلك، بل هي صفة يمكننا تحقيقها والعيش بها في كل لحظة من لحظات حياتنا. فليس الأمر بالصعوبة التي نتصورها، إذ لماذا نكتفي بالمتوسط في أمر يمكن أن نحوز فيه رتبة الجودة والشرف؟ ولماذا يرضينا أن ننجح في تأدية عمل ولا نطمح إلى النبوغ فيه؟

إن الطموح ليس أمرا خارقا نبتدعه، إنما هو ارتفاع بالنفس نسجله مع كل عمل نقوم به، ومع كل خطرة تراودنا.

ففي إتقاننا لعمل نقوم به، شيء من الطموح لأنه سعي نحو الكمال.

وفي اجتهادنا لاكتساب خصلة حميدة نضيفها إلى شخصيتنا طموح أيضا.

وفي غيرتنا على وقتنا من أن نضيعه في شيء تافه؛ في مشاهدة فيلم ساقط أو قراءة قصة ساذجة، دليل على طموح في النفس.

وفي صم آذاننا عن سماع قول فاحش أو منع لساننا من التلفظ بمثله ترفّع وارتفاع بالنفس.

وفي امتناعنا عن مجاراة أكثر الناس فيما يقولون ويفعلون ترفّع وارتفاع أيضا.

وفي تحرّجنا من كل ما يشدنا إلى أسفل ولا يرتفع بنا إلى أعلى.

هو في ترصد كل خير، وتشرف كل فضل تزداد به نفوسنا شرفا وكرامة وترقى به في سلم الإنسانية الحقة!