ليس أهم للمرء من نفسه.. أعتقد ذلك. لكن ليس بالمعنى الذي قد توحي إليه هذه العبارة من أنانية ونرجسية وذاتية وفردية، بل بالمعنى الشامل الذي ذكر في القرآن الكريم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:105].

فإذا أحاط المرء بنفسه معرفة، وأيقن أنه هو من يختار لها السعادة أو الشقاء، النجاة أو الهلاك، الفلاح أو الخيبة، فأحسن تأديبا لها وتهذيبا، وقام على كل ما يصلحها من عبادة وذكر، وتعلم ودرس، وتأدب وحسن خلق فاز بها نفسا زكية.

ولأنه ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:15]، وأن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، كان واجبا على المرء أن يجتهد في إبعاد الوزر عن نفسه، دونما اعتماد على نفس أخرى في هذا الشأن، لأن المسؤولية تقع عليه وحده فيما اكتسبه لنفسه.

وعبارة “لنا أعمالنا ولكم أعمالكم” في القرآن الكريم تصور لنا مسؤولية الإنسان الفردية عن أعماله دون أعمال غيره. لذلك وجب أن تشغله عيوبه عن عيوب الناس، وأن يعظ نفسه قبل أن يعظ غيره؛ وهذا طرف آخر من ضرورة الاهتمام بالنفس.

فلو أن كل امرئ وقف على شؤون نفسه فأبصر عيوبها وعمل على محوها، ووقف على نقائص ذاته فكمّـلها، وسعى إلى طلب ما يرفعها ويزكيها ويطهرها. لو أن كل امرئ فعل ذلك لصلحت الأفراد، وكان اجتماعهم على أصلح الأمور وأنقاها.

لكن أغلب ما يكون عليه الإنسان: ذهول عن نفسه، وتناس لأعمق ما في ذاته، وتجاهل لما فيها من طبيعة وميل لحب الخير والجمال، وما تتوق إليه من العلم والمعرفة، والصعود والارتقاء، والعمل والإبداع؛ كل ذلك يدفعه إليه مؤهلات وضعت فيه بالأصل والفطرة.

وقد قيل: “من عرف نفسه عرف ربه“، ولأن “معرفة الله أول الأوائل” كما عبر عنه ابن سينا، كانت معرفة النفس التي هي السبيل إلى معرفة الله أسمى المعارف وأهمها على الإطلاق.

فلو ألقى الإنسان بنظره في الأفق تارة، وفي نفسه تارة أخرى، لو تأمل في هذا وذاك وتَفكّر وتدبّر، لكان ذلك كافيا لأن يدله على خالقه فيفوز بالمعرفتين، ويرضي ما في نفسه من تطلع وفضول.

هذا ما قصدته بأن ليس أهم للإنسان من نفسه. هذه النفس التي حمّله الله مسؤوليتها، ومنحه من المزايا والصفات ما يدبّر أمرها، ووضع فيها طبيعة مزدوجة: خير وشر، تقوى وفجور، وأوجب عليه ألا يغفل عنها، وأن يكابد ويجاهد نفسه كي يبقيها في ساحة التقوى والخير.

فكل امرئ مسؤول وحده عن نفسه، وهو مسؤول عنها أمام الله دون سواه، وأمر نفسه موكول إلى الله تعالى أولا ثم إليه ثانيا. وهي كذلك في الدنيا، وكذلك في الآخرة.
﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:19].