رغبــة.. وهـدف..
نشر ضمن خواطر ·ثمة رغبات تنبع من أعماقنا ودواخل نفوسنا، وتنمو وتترعرع فيها. ثم هي تجري مجرى الدم في عروقنا، وقد يكون عمرها هو عمرنا أو أقل قليلا منه, ثم هي تكبر معنا وتنضج بنضوجنا.
وثمة رغبات أخرى تتولد فجأة في نفوسنا، نتيجة تأثير أو ضغط خارجي، لا تكاد تتواءم مع طبيعتنا، ولا تكاد تجد لها مكانا مناسبا بين رغباتنا الأصلية وميولنا العميقة.
ويحدث أن يتنكر المرء أحيانا لما هو أصيل متأصل فيه، ويتبنى ما هو دخيل على نفسه، متناقض مع خصائص شخصيته، معادٍ لقيمه الأخلاقية، مستعص على قدراته الذاتية.
ذلك أن الحياة تزدحم بأشياء كثيرة تولد في نفس المرء رغبات كثيرة لا تكاد تنتهي، فإن سعى وراءها فسوف تذهله عن أحلامه العميقة ومراميه الغالية.
إن سيرورة الحياة والرتابة اليومية تجعل الإنسان يتوه في جملة من الهموم المادية، ينشغل بها فتشرد به بعيدا عن أهم ما يجب أن ينشغل به ويهتم له.
فإن هو تركها تأتي به وتجيء فسوف تهوي به في مكان سحيق، لا يعلم بعده أيّ وجهة يتخذ في حياته، وأيّ سبيل يتبع.
ذلك إن لم يتدارك نفسه بالمراجعة بين الفينة والفينة، يتذكر خلالها هدفه الأساس، وما هو أهم بالنسبة له.
إن رغبة تسنح في خاطر المرء يظن أن سعادته فيها، ويعتقد أن لا هدوء لباله إلا أن يراها حقيقة مجسّدة بين عينيه، لكن إن هو ساءل نفسه عن قيمة ذلك الشيء الذي نزعت نفسه إليه، وإن كان من أولويات الأمور في حياته، وجد أمرا آخر غير ذلك الذي كان يعتقده!
فإذا كان حصيفا؛ بأن يعرض تلك الرغبة على رغبة أخرى في نفسه، أعمق منها وأقدم وجودا، فسوف تبدو له تلك الرغبة الجديدة هيّنة تافهة، لا ضرورة لها.
إن حياتنا اليوم عسيرة ومعقدة، وفيها من الهموم والمشاغل ما يجعل المرء شاردا دائما، راكضا وراء ضرورات الحياة.
لكن إن هو تفكر قليلا، فسوف يجد من تلك “الضرورات“، ما ليس ضروريا جدا! وإن وعى ذلك جيدا، كان عليه أن يقلّص من قائمة تلك المطالب “الضرورية“، حتى يترك من وقته وفكره مكانا لما هو أهم منها وأجدر بالذكرى.
إننا نقضي الساعات الطوال في أعمال غير نافعة، وننشغل بأمور بعيدة عن أخصّ اهتماماتنا، ونسلس القياد للسأم والضجر والقلق، ولنا عن كل ذلك غنى فيما هو أهم بالنسبة إلينا إذا نحن شغلنا نفسنا بذكره والتصميم له.
وإنما ذلك سببه الغفلة التي تصيب الإنسان من حين لآخر، بل أحيانا كثيرا، فيشرد عن نفسه ويبتعد عن منابع الإنتعاش والحياة بالنسبة إليه.
يبعده عن ذلك جملة من الأعمال الآلية يقوم بها يوميا، أو جري وراء مطلب مادي، أو انجذاب هيّن نحو ما يشغل الوقت ولا يملؤه بما يفيد ويجدي، أو دخول في غمار حديث لا يتعدى أن يكون لغوا.
إن النسيان والغفلة آفة لمن كانت لديه رغبة رفيعة القيمة، ولا سبيل للمرء إلى النجاح في أمر ما إن هو اتبع تلك الرغبات الخارجية المصدر, والتي هي في الحقيقة بمثابة الزبد الذي يذهب جفاء. أما ما ينفعه فهو ماكث في أعماق نفسه، لا سعادة له إلا أن يخلص له ويفي.
وحتى يتجنب المرء الوقوع في الشرود والغفلة، لابد أن يضع سلما لأولويات الأمور بالنسبة إليه، يحدد فيه الأهم فالمهم فالأقل أهمية، وكلما سنحت له رغبة عرضها على سلـّمه ليرى مكانتها، ودرجة أهميتها بالنسبة إليه.
فإن بدت له بعد النظر والمقابلة مهمة، سعى إلى تحقيقها، وإن وجدها هيّنة القيمة تركها تفتر قليلا قليلا إلى أن تضمحل في نفسه وتزول.
وسيصعد ما هو أهم إلى السطح بعد أن طمست عليه تلك الرغبة الدخيلة، وسوف يتصدر من جديد مكانه الأصلي بعد أن نافسته فيه رغبة شاذة غريبة عن نفسه!
كذلك يمكنه أن ينظر إليها بمعزل عن الأمور الأخرى التي تنتمي إلى قائمة ميوله ورغباته واهتماماته الأساسية، ينظر إليها من حيث الفائدة التي تعود عليه إن هو أمضاها، والخسارة التي قد تنتج عن ذلك. ثم لينظر في أهميتها من حيث هي مؤقتة أو دائمة، وفي مصدرها ومنتهاها، وفي عاقبتها، وسوف يكتشف:
- أنها ليست ماسّة بالقدر الذي كان يتصوره.
- أن ثمة – في نفسه – رغبة أهم منها وأسمى مكانة.
- أن أساسها هوى وقتي لا يخضع للعقل، ولا يحكمه منطق ولا حكمة.
حينئذ سيحسّ بضآلة قيمتها أمام اعتبارات أخرى أهم بكثير منها، وأبلغ أثرا في نفسه، وأحسن عقبى.
وبعد هذا التأمل والنظر سوف يستفيق من تلك الغفوة التي سببتها له تلك الرغبات السانحة، فليتدارك وقتئذ نفسه بأن يحث الخطى نحو هدفه، ينصب له الخطط ويجمع له الأدوات، لا يشغله عن ذلك شاغل مهما رأى الناس فيه من ضرورة وقيمة، لأن القيمة بالنسبة إليه قد باتت فيما هو أهم بالنسبة إليه، والذي قد أصبح عيشه له ومن أجله.
- 14.12.09
- 0 تعليقات
- المقال السابق
- المقال الموالي